تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد جاء الحكم عاماً بكفر اليهود وكفر من فعل فعلهم في قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة / 44] الآيات. فالآيات وإن نزلت بسبب ما فعله اليهود من التشريع إلا أنها حكم عام ينطبق على كل من شرع من دون الله وبدل أحكامه (1).

وقد ورد في سبب نزول آيات المائدة روايات أخرى، ومن ذلك ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ذلك كان سبب ما كان بين بني قريظة وبني النضير، حين اتفقوا على أنه إذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قتل به، وفي روايات فديته مائة وسق، وإذا قتل رجل من بني النضير رجلاً من بني قريظة ودي بمائة وسق من تمر، وفي رواية خمسون وسقاً. لأن بني النضير قد قهرت بني قريظة، فاصطلحوا على ذلك. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وذلت الطائفتين للنبي صلى الله عليه وسلم، قتل رجل من بني النضير رجلاً من بني قريظة، فطلبوه ليقتلوه، وفي رواية أنهم طلبوا ديته مائة وسق. فأبت بنو النضير، وتحاكموا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله الآيات (2).

وسواء كان سبب نزول الآيات هو ما ذكره البراء بن عازب رضي الله عنه، أو كان ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما، أو كانت كلتاهما سبباً لنزول الآيات – كما يقول الإمام ابن كثير رحمه – فإن العلة التي

صـ 229

هي مناط الكفر في الآيات هي التشريع من دون الله تعالى. إما بتشريع الجلد والتحميم مكان الرجم كما في رواية البراء بن عازب رضي الله عنه، وإما بتشريع الدية بين الطائفتين بما يخالف حكم الله عندهم كما في رواية ابن عباس رضي الله عنهما. فكان ما فعلوه على كل حال والتزموا به، وجعلوه شريعة بينهم، وتركهم حكم الله الذي يعلمونه في كتبهم هو سبب حكم الله بكفرهم.

فمن فعل كما فعلوا، فبدل أحكام الله تعالى، وحكم القوانين الوضعية، وألزم الناس بها فحكمه حكمهم، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

فكيف يقال بعد كل هذا إن من فعل فعل اليهود من التشريع من دون الله لا يكفر بمجرد فعله حتى يظهر لنا أنه مستحل، ولا يكون ذلك إلا بنطقه بذلك؟!.

(1) () وأنظر (فتح الباري) (13/ 129)

(2) () أخرج إحدى الروايتين أبو داود. كتاب الديات (4494) وكتاب الأقضية (3591). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (3772). والنسائي كتاب القسامة (8/ 18). وأخرج الأخرى أحمد (1/ 246). وقال أحمد شاكر في تخريجه للمسند رقم (2212) إسناده صحيح. وأخرجها النسائي. كتاب القسامة (8/ 19).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ١٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ١٥٧