تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبهذا يعلم أن من اشترط الاستحلال في كفر بدل أحكام الشريعة لا متمسك له بما ورد عن بعض السلف في تفسير الآيات من أن المراد بها كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.

ومع أن قول أولئك السلف صحيح في ذاته على ما قالوه، لكنه على الصحيح ليس هو المعنى المقصود أصلاً بالآيات، بل سياقها يدل

صـ 227

على أن المراد بالكفر والظلم والفسق فيها الكفر الأكبر والظلم الأكبر والفسق الأكبر.

والذي يقطع في الدلالة على ذلك ما صح في سبب نزول الآيات. فقد ورى الإمام مسلم وغيره عن البراء بن عازب قال: (مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمماً مجلوداً، فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، لكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، فأمر به فرجم. فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة / 41]، إلى قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة / 41] يقول: ائتوا محمداً، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة / 44]. الآيات كلها في الكفار (1).

فاجتماع اليهود على تشريع حكم في حد الزنى، مخالفة حكم الله في ذلك، وجعله في مقام الإلزام، وتبديل دين الله، هو سبب كونهم من المسارعين في الكفر، وليس المراد في ذلك قطعاً الكفر الأصغر، كما أنه لا اشتراط للاستحلال هنا، بل مناط الكفر هو ما فعلوه من

صـ 228

التشريع وتبديل حكم الله.

(1) () أخرجه مسلم في، كتاب الحدود، (1700). وأبو داود في، كتاب الحدود (4448).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ١٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ١٥٦