تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صـ 224

لكن ابن عباس رضي الله عنه لم يكن يقصد بذلك من نحى الشريعة وتحاكم إلى القوانين الوضعية، لأنه لم يكن في عصره من فعل ذلك. وإنما يقصد الحاكم المسلم الملتزم بالحكم بشريعة الله، لكنه قد يجوز فيحكم بغير العدل في مسألة أو مسائل معينة، فهذا لا يكفر إلا إذا استحل ما فعل.

وما قاله ابن عباس رضي الله عنه حق، لكنه إنما ينطبق على الحكم بغير ما أنزل الله في قضايا معينة، دون أن يصل الأمر إلى حد التشريع من دون الله وتبديل أحكام الله تعالى.

وفي بيان مراد ابن عباس رضي الله عنه بذلك، ومتى يكون الحكم بغير الله ما أنزل الله من الكفر الأصغر يقول الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: (وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة، فقد تقدم أن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقول الله عز وجل {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قد شمل ذلك في قوله رضي الله عنه في الآية: (كفر دون كفر) وقوله أيضاً: (ليس الكفر الذي تذهبون إليه). وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى.

وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى، أكبر من الكبائر كالزنا وشرب الخمر والسرقة واليمين الغموس وغيرها، فإن معصية سماها الله في كتابه كفراً أعظم من معصية لم يسمها كفراً) (1).

ومثله ما ورد عن أبي مجلز أنه جاءه أناس من الخوارج الإباضية فقالوا له: أرأيت قول الله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة /44]، أحق هو؟ قال: نعم. قالوا: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ

صـ 225

فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة /45]، أحق هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة / 47]، أحق هو: قال: نعم. فقالوا: يا أبا مجلز، فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون، وإليه يدعون. فإن هم تركوا شيئاً منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنباً. فقالوا: لا والله، ولكنك تعرف. قال: أنتم أولى بهذا مني، لا أرى وأنكم ترون هذا ولا تخروجون .. ) (2).

(1) () (تحكيم القوانين) ص (7)

(2) () (جامع البيان) لابن جرير (6/ 252)

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ١٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ١٥٤