تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً وبين مجرد التشريع وتحكيم القوانين. فإنه لا يتصور أن مؤمناً يفعل ذلك مع علمه بمخالفة تلك القوانين لأحكام الله تعالى، إذ لو كان راضياً بشريعة الله لامتنع أن يبدل أحكامها، أو يلزم الناس بما يعلم أنه يناقضها تمام المناقضة.

ولهذا جعل الله تعالى طاعته وطاعة رسوله من لوازم الإيمان ومقتضياته فقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران / 32] فجعل مجرد التولي عن طاعة الله ورسوله كفراً بهما. وأي تول عن طاعة الله ورسوله أعظم من التشريع من دون الله، وتحكيم القوانين الوضعية، والإلزام بها فيما يخالف أحكام الله تعالى. وذلك أن القوانين إنما أرسل رسوله بالشريعة ليطاع بتلك الشريعة، لا لمجرد أن يصدق أن ما جاء به من عند الله من الشرائع حق وصدق، كما يقول هؤلاء المرجئة. وهذا هو معنى قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ﴾ [النساء / 64]، فمن ظن أنه يمكن أن يتحقق الإيمان بالله تعالى والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم والإيمان بالقرآن وما أنزل الله من الوحي مع

صـ 223

تنحيه الأحكام الشرعية والالتزام بالقوانين الوضعية المخالفة لها فقد ناقض الأصل الذي لأجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب.

وبهذا الإجمال يظهر أن مسألة التشريع من دون الله، وتحكيم القوانين فيما يخالف أحكام الشريعة ليست من جنس الحكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة، مع الالتزام بالشريعة والتحاكم إليها.

إن الحالة الأولى تعتبر رفضاً للشريعة ونقضها لمبدأ الالتزام بالدين وخروجاً من الملة.

وأما الحالة الثانية فلا تعدو أن تكون معصية كأي معصية، لا تنقض أصل الدين، ولا تكون كفراً لذاتها، لأن المعاصي مع أنه خالف الالتزام الواجب، لكنه مع ذلك ملتزم بالشريعة، مستسلم لحكم الله، معتقد أنه قد ارتكب ذنباً. وهذا مالا يمكن بحال أن يتحقق فيمن بدل دين الله، ورفض شريعته، وشرع من دون الله.

ويستمسك الذين لا يفرقون بين الحالتين، فلا يكفرون بالتشريع وتحكيم القوانين بأقوال للسلف، وردت في حكم من حكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة، وأن القاضي والحاكم الذي تحقق منه ذلك لا يكفر إلا بشرط الاستحلال.

وكلام السلف هنا صحيح، لكن فهم المرجئة المعاصرين قاصر عن إدراك حقيقته ومناطه.

ومن ذلك ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة / 44] أنه قال (ليس بالكفر الذي تذهبون إليه). وقال (كفر دون كفر).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ١٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ١٥٣