صـ 221
5 - الكفر بتحكيم القوانين.
إذا أطلق وصف الحكم بغير ما أنزل الله فإنه يشمل التشريع من دون الله وتبديل أحكام الشريعة وإلزام الناس بالقوانين الوضعية المخالفة لأحكام الله تعالى، كما يشمل حكم الحاكم أو القاضي المسلم في قضية معينة بما يخالف حكم الله تعالى، محاباة للمحكوم له، أو لرشوة، ونحو ذلك، مع الالتزام بتحكيم الشريعة، وعدم الاعتراض على أحكام الله تعالى.
ومعلوم أن الحاكم أو القاضي المسلم إذا خالف في قضية معينة فإن فعله يكون من الظلم المستوجب للذم والعقوبة، لكنه لا يكفر به ما لم يستحل ما فعل، وينكر حكم الله تعالى في تلك الواقعة المعينة. أهل السنة مجمعون على ذلك، ولم يخالف فيه إلا الخوارج.
وأما التشريع من دون الله تعالى وتبديل أحكامه والإلزام بالقوانين الوضعية فهو كفر لذاته، لا يشترط فيه الاستحلال، بل يكون الكفر به مترتباً على مجرد فعله عن علم وبينة بأن ذلك الفعل مخالف لحكم الله تعالى.
وذلك أن التشريع مما يختص به الله تعالى، فمن شرع من دونه، أو ألزم الناس بغير شرعه فقد نازع الله تعالى فيما يختص به، ومن رضي بذلك ولو لم يفعله فقد نقض توحيده وإيمانه بالله تعالى. فكما أن الله تعالى هو المتفرد بالربوبية والخلق فهو كذلك المتفرد بالأمر والتشريع كما قال تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف/54] والأمر إذا أطلق فقد يراد به الأمر الكوني كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس / 82]. وقد يراد به الأمر الشرعي كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ... ﴾ [السجدة / 24]. فيكون الأمر الشرعي مما يختص به الله تعالى كالأمر الكوني ولا فرق.
صـ 222
ولهذا عد الله المشرعين من دونه شركاء فقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى/ 21] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [الأنعام / 137].
وسمى الله الأحبار والرهبان أرباباً لما شرعوا من دون الله فأطاعهم الأتباع في ذلك، وعد ذلك عبادة لهم من دون الله فقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة / 31].
والكفر بالتشريع وتحكيم القوانين لا يقيد بمجرد اعتقاد كونها أفضل من الشريعة أو مساوية لها، أو اعتقاد جواز التحاكم إليها كما يقوله المرجئة، وإنما هو كفر لذاته، للتعارض الضروري التام بين الإيمان بالله رباً وبالإسلام