تامة كتبت تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك) (1).
والانتقاض هنا عام لترك الأداء لبعض الصلوات، ولعدم أدائها على الكمال ولو أديت، لا يخص بأحد المعنيين دون الآخر.
وعلى هذا الحديث – وغيره كما سيأتي – اعتمد من يقول بعدم تكفير
صـ 218
تارك الصلاة. يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله في ذلك: (ووجه الاستدلال بالحديث المذكور على عدم كفر تارك الصلاة: أن نقصان الصلوات المكتوبة وإتمامها من النوافل يتناول بعمومه ترك بعضها عمداً، كما يقتضيه ظاهر اللفظ كما ترى) (2).
والحقيقة أن أصل اللبس في حكم تارك الصلاة هو عدم التفريق بين الترك المطلق ومطلق الترك.
فمن قال بأن تارك الصلاة لا يكفر فهم أنه إذا التزم بذلك فلابد أن يكفر بمطلق الترك. يقول الإمام الشوكاني رحمه الله: (الترك الذي جعل الكفر معلقاً به مطلق عن التقييد، وهو يصدق بمرة، لوجود ما هية الترك في ضمنها) (3).
إذا فهم هذا فإنه لا يتصور من الأئمة الذين قالوا بعدم تكفير تارك الصلاة القول بأن الإصرار على تركها أو تركها من حيث الجملة ليس كفراً، لإنهم إذا قيدوا عدم الحكم بتكفير تارك الصلاة بترك صلاة واحدة لم يلزم أن يقولوا إن من ترك الصلاة بالكلية فإن حكمه كذلك.
ومما يدل على لزوم التفريق بين الترك المطلق ومطلق الترك، وعلى أن المراد بالانتقاص في الحديث السابق العموم الذي يشمل ترك أداء بعض الصلوات الحديث الذي رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
(خمس صلوات كتبهن الله عز وجل على العباد. فمن جاء بهن، لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله
(1) () أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة (864). والترمذي، كتاب الصلاة (413). والنسائي، كتاب الصلاة (465). وانظر (نيل الأوطار) للشوكاني (1/ 374) فقد نقل أقوال بعض الأئمة في تصحيحه.
(2) () (أضواء البيان) للشيخ الشنقيطي (4/ 319).
(3) () (نيل الأوطار) للشوكاني (1/ 372).