ثم إن ترك الصلاة لا يعرف إلا من جهة كونه ناقضاً، ولا يتحقق ذلك في المعين إلا بالإصرار على تركها، لأن المفترض فيمن أقر بالشهادتين إقامة الصلاة، ولهذا لا ينتظر من أقر بالشهادتين حتى تختبر حاله، وهل يقيم الصلاة أم لا حتى نحكم بإسلامه. وإنما نعتبر أن هذا هو الأصل حتى يثبت ما يخالفه من الإصرار على تركها، فنحكم بكفر
صـ 215
من تحقق منه ذلك.
وهذه القاعدة ليست خاصة بترك الصلاة فقط، بل هي عامة في كل ناقض، فالأصل عدم تناقض حتى يثبت تحققه بيقين.
حقيقة الترك المكفر:
ليس مناط التكفير في ترك الصلاة هو مطلق الترك لها، بحيث يلزم أن كفر كل من ترك صلاة واحدة أو بعض صلوات، وإنما مناط التكفير هو الترك المطلق، الذي هو بمعنى ترك الصلاة من حيث الجملة، الذي يتحقق بترك الصلاة بالكلية، أو بالإصرار على عدم إقامتها، أو بتركها في الأعم الأغلب، بحث يصدق على من تركها أن يقال إنه قد ضيع الصلاة وتولى عن إقامتها.
وبهذا يكون ترك الصلاة من حيث الجملة مناقضاً لتحقيق الالتزام بها، مع أنه قد يتحقق الالتزام الإجمالي بها مع ترك بعضها.
وفي بيان حقيقة الترك المكفر وأن المقصود بالترك المكفر ما كان متعلقاً بجنس الصلاة لا بمجرد بعض الصلوات يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إن كثيراً من الناس، بل أكثرهم، في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل قد يصلون أحياناً ويدعون أحياناً، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض كابن أبي وأمثاله من المنافقين، فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى) (1).
صـ 216
وفي نفس المعنى يقول الشيخ ابن عثيمين: (قال بعض العلماء: يكفر بترك فريضة واحدة، ومنهم من قال بفريضتين. ومنهم من قال بترك فريضتين إن كانت الثانية تجمع إلى الأولى، وعليه فإذا ترك الفجر فإنه يكفر بخروج وقتها، وإن ترك الظهر فإنه يكفر بخروج وقت العصر.
(1) () (مجموع فتاوى ابن تيمية) (7/ 617)