ومن ذلك الحديث المتفق عليه من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذهبية في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها؛ قال: فقسمها بين أربعة نفر .. فقال رجل من الصحابة: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. فقال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً) قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله: اتق الله. فقال: ((ويلك، أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟) قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: (لا لعله أن يكون يصلي). قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم .. الحديث) (1).
ووجه دلالة هذا الحديث – وما شاكله من الأحاديث في هذا الباب –
صـ 211
على كفر تارك الصلاة أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل إقامة الصلاة مانعاً من قتل من هم الصحابة رضوان الله عليهم بقتلهم، لما رأوا فيه من احتمال كفرهم. ولو لم يكونوا مقيمين للصلاة لم يمنع الصحابة من ذلك كما هو ظاهر للحديث. ولكان قتلهم إياهم لأجل أنهم كفار، ليس لدمائهم عصمة.
ولا يقال هنا: إن تارك الصلاة يقتل حداً لا كفراً بدلالة هذا الحديث عند من يقول ذلك، والصحيح أن الحديث لا يدل على ذلك، وإنما يدل على خلافه.
والذي يبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة (2).
وليس تارك الصلاة من أصحاب الحدود الذين يقتلون من المسلمين، بل لا يكون ذلك إلا في الزاني المحصن وقاتل النفس. فلم يبق إلا أن تكون إباحة دم تارك الصلاة من أجل ردته. ودلالة الأحاديث على أن من ترك الصلاة يقتل حداً لا كفراً غير صريحة، وإنما تدل على ذلك بطريق المخالفة والمفهوم، وأما حديث: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) فصريح في أنه لا يحل دم مسلم إلا بإحدى الأمور الثلاثة المذكورة في الحديث على سبيل الحصر.
(1) () رواه البخاري، كتاب المغازي (43661)، ورواه مسلم، كتاب الزكاة (1064).
(2) () أخرجه البخاري، كتاب الديات (6878). ومسلم كتاب القمامة (1676). وأبو داود، كتاب الحدود (4352). والترمذي، كتاب الديات (1402). والنسائي، كتاب تحريم الدم (4017).