تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صـ 209

الصلاة) وبين كفر منكر في الإثبات) (1).

ومن تأمل هذا الحديث مع الحديث السابق وجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد جعل مناط الحكم بالكفر فيهما ترك الصلاة، ومعلوم أنه ليس كل من ترك الصلاة لابد أن يكون جاحداً لوجوبها، بل قد يكون كذلك، وقد يكون مقراً بذلك، لكنه يتركها تهاوناً وكسلاً.

وبهذا يعلم أن من قال إن تارك الصلاة لا يكفر إلا إذا كان جاحداً لوجوبها قد جعل مناط الحكم في هذه المسألة غير ما حدده الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثم إنه على هذا التأويل لا فرق بين الصلاة وغيرها، ولا تكون إقامتها عهداً وحداً يعرف به المسلم من الكافر، لأن من ترك شيئاً من شعائر الإسلام جاحداً لوجوبه أو حتى لاستحبابه مع قيام الحجة عليه بذلك فإنه يكفر، لا فرق في ذلك بين الصلاة وغيرها.

ومن هذا نفهم دلالة تخصيص الرسول للصلاة دون غيرها، وأنه إنما أراد الترك ولو لم يكن جحود.

وهذا هو الذي فهمه الصحابة رضوان الله عليهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى إنهم ميزوا الصلاة عن غيرها في هذا، فجعلوا تركها هو مناط الكفر دون غيرها من الأعمال.

يقول عبد الله بن شقيق رحمه الله: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة) (2).

وقد نقل الإمام ابن حزم ذلك عن كثير من الصحابة منهم عمر بن

صـ 210

الخطاب ومعاذ بن جبل وابن مسعود وعن تمام سبعة عشر رجلاً من الصحابة التابعين (3). بل إن قول عبد الله بن شقيق رحمه الله السابق يدل على أن الصحابة قد أجمعوا على كفر تارك الصلاة، وهو ظاهر كلامه، لأنه إخبار عنهم كلهم أنهم كانوا يرون كفر تارك لصلاة. فعلم من كل هذا أنه لا اعتبار بقول من يقول من يخصص الترك بالجحود.

3 - ومما يدل أيضاً على كفر تارك الصلاة ما ورد من إباحة الدم تاركها.

(1) () (اقتضاء الصراط المستقيم) لابن تيمية (ص / 70)

(2) () أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، (2622). وصححه الشيخ الألباني. وانظر (السلسلة الصحيحة) (1/ 130).

(3) () انظر: (الفصل في الملل والأهواء والنحل) لابن حزم (3/ 229).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ١٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ١٤٤