وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران/32]. ومعلوم بداهة أن طاعة الرسول لا تتحقق بمجرد الإقرار، وإنما هي الالتزام بالعمل.
ولهذا قرن الله تعالى في كتابه كفر التولي بكفر التكذيب، لأنه غيره، فكفر التولي إنما يكون عن الطاعة، وكفر التكذيب متعلق بالاعتقاد،
صـ 203
ولكن هما في الجنة سواء، يقول تعالى: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى ﴿31﴾ وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [القيامة / 31 - 32] كما قال تعالى: {لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى ﴿15﴾ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [الليل/15 - 16] وقال تعالى حكاية عن موسى وهارون عليهما السلام: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه / 48].
فعلم من هذا أن المتولي عن الطاعة كافر، كما أن المكذب كافر والتولي إنما يكون عن الطاعة كما قال تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح /16].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (التولي ليس هو التكذيب بل هو عن الطاعة فإن، الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر ويطيعوه فيما أمر، وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعة التولي، فلهذا قال: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى ﴿31﴾ وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [القيامة / 31 - 32]. وقد قال تعالى ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور /47] فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل، وإن كان قد أتى بالقول (1).
وبذا يظهر خطأ المرجئة فيما التزموه من القول بأن تارك جنس العمل لا يكفر، نتيجة لنفيهم أن يكون العمل من الإيمان، لكن هذا اللازم هو المقتضى الضروري لمذهبهم، إذ لا يمكن القول بكفر تارك جنس العمل مع نفي أن يكون العمل من الإيمان. فالمرجئة وإن أخطأوا في هذه المسألة فإنما التزموا بلازم مذهبهم في حقيقة الإيمان. فيكون الرد عليهم في ذلك بيان دخول الأعمال في مسمى الإيمان، ليلتزموا
صـ 204
بلازم ذلك، من القول بكفر تارك جنس العمل، وأن العمل قد يكون كفراً لذاته دون شروط استحلال.
(1) () (مجموع الفتاوى) (7/ 142).