وبذا يظهر أيضاً خطأ بعض المنتسبين إلى السنة، الذين يسلمون بما أجمع عليه أهل السنة من الإيمان قول وعمل، ويدخلون الأعمال في مسمى الإيمان، ويقولون إن الإيمان يزيد وينقص، ثم يقولون مع ذلك إن العمل كمالي للإيمان، وليس ركناً فيه ولا شرطاً في النجاة، ويتفقون مع المرجئة في القول بأن تارك جنس العمل لا يكفر.
وهذا ولا شك تناقض محض، إذ لا يمكن الجمع بين قول أهل السنة والجماعة بإن الإيمان قول وعمل، والقول بأن تارك جنس العمل لا يكفر. فإما أن يكون العمل من الإيمان فلا يكون التارك لجنس العمل مؤمناً، وإما أن يكون التارك لجنس العمل مؤمناً فلا يكون العمل من الإيمان.
والأساس الذي يقوم عليه الحكم بضرورة التلازم بين القول بأن العمل من الإيمان، والقول بأن العمل ركن فيه، بحيث يكون التارك له كافراً أن الإيمان المنجي من عذاب الكفار لا يتحقق بمجرد القول، بل لابد فيه من العمل. والذين قالوا إن العمل من الإيمان لكنه كمالي فيه يسألون عن إنسان تحقق منه الإقرار، ولم يلتزم بشيء من الأعمال الظاهرة عمداً وإصراراً على الترك، فما الذي ينجيه من عذاب الكفار؟ إن قالوا إن ما حصل منه من الإقرار هو مناط نجاته كان إيمانه قولاً بلا عمل، فلا يكون العمل من الإيمان، وإنما يكون من ثمراته وكماله كما يقول المرجئة، وإن قالوا بل العمل من الإيمان لكنه ليس شرطاً في النجاة لزمهم التناقض في هذا الباب. فإما أن يلتزموا بقول أهل السنة في الإيمان، ويلتزموا بلوازم ذلك القول، وإما أن يخالفوهم في لوازم قولهم
صـ 205
فيلزمهم موافقة المرجئة قي نفيهم أن يكون العمل من الإيمان. وكلام أهل السنة في الإيمان ودخول الأعمال فيه إنما هو عن الإيمان المنجي الذي يكون به التفريق بين المؤمن والكافر.
وفي البيان هذا الأمر وحقيقة الفرق بين أهل السنة والمرجئة في هذا الباب يقول الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله: (يقولون (أي المرجئة) الإيمان قول، ونحن نقول الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد ألا إله إلا الله مبصراً بقلبه على ترك الفرائض، وسمو ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء، لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمداً من غير جهل ولا عذر هو كفر ... ) (1).
فالإمام سفيان بن عيينة قد بين كلامه هذا ضرورة التلازم بين إدخال العمل في مسمى الإيمان، واشتراطه للنجاة في الآخرة. وجعل قول المرجئة خلاف ذلك. فمن قال إن النجاة تحصل بمجرد القول فقد التزم بقول المرجئة شعر أو لم يشعر. وليس في الكتاب ولا في السنة لا في حديث الشفاعة في الجهنميين ولا في حديث البطاقة ونحوه من أحاديث البشارة بالجنة ولتحريم النار على من قال لا إله إلا الله وغيرها من الأحاديث ما يخالف ذلك.
(1) () (السنة) لعبد الله بن أحمد (1/ 347 – 348)