ولخص كلام البغدادي هنا: أن لما سماه الطاعات عنده ثلاث مراتب، هي الاعتقاد والإقرار والعمل، وأن لما سماه المعاصي مرتبتان، الأولى متعلقة بما يضاد الاعتقاد فتكون كفراً، وأما المرتبة الثانية فتتعلق بترك العمل، وهذه عنده ليست بكفر. وأما الإقرار فمشروط عنده مرة واحدة، لأن الغاية منه مجرد إجراء الأحكام الدنيوية بإظهار الاعتقاد الباطن.
وبهذا يظهر أن من ترك العمل بالكلية فهو عنده مؤمن، وفي أحكام الدنيا مسلم إذا أظهر مجرد الإقرار مرة واحدة، لأن الإيمان عنده اعتقادي فقط.
ويقول ملا علي قاري في بيان أنه يكفي في الإسلام ابتداءً واستمراراً مجرد الإقرار، وأما العمل فمن الكمال: (الإيمان مختص بالانقياد الباطني، والإسلام مختص بالانقياد الظاهري، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات/14]. وكما يدل عليه حديث جبريل عليه السلام، حيث فرق
صـ 202
بين والإيمان الإسلام، بأن جعل الإيمان محض التصديق، والإسلام هو القيام بالإقرار، وعمل الأبرار في مقام التوفيق) (1).
ومراد ملا علي قاري هنا أن وصف الإسلام يثبت ويبقى ثابتاً للمعين بمجرد الإقرار، وأن حقيقة الإسلام. وعنده كما عند جميع المرجئة أن العمل حينئذ معتبراً في الالتزام وتحقيق الإيمان، ولا يكون تاركه بالكلية كافراً.
وإذا علمنا جميع ما تقدم من حقيقة منهج المرجئة، وما افترضوه من أن من أقر ولم يلتزم بأي عمل لا يكفر، وندرك مدى الانحراف الذي وصل إليه هذا الاتجاه، ومدى الهوة التي وقع فيها أصحاب هذا الفكر في تصورهم لحقيقة الدين، وأنه يكفي في حقيقة مجرد إعلان التصديق بالإقرار مرة في العمر. وفي هذا جهل بحقيقة ما أرسل الله له الرسل وأنزل به الكتب، وإذ كيف يتحقق الإيمان بالرسول مع ترك طاعته بالكلية والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ﴾ [النساء:64].
فالحكمة من إرسال الرسل هي أن يطاعوا طاعة لله تعالى، ومن نفي أن تكون طاعة الرسول غير لازمة بالكلية فقد ناقض أصل الحكمة من إرسال الله لهم. ولهذا علق الله الكفر بعدم طاعة الرسول فقال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ
(1) () (شرح الفقه الأكبر) (ص/130 - 131).