كما أن أصحاب فكرة الحد الأدنى للإسلام التزموا تكفير من حالف ما جعلوه من الالتزام الظاهر حداً أدنى للإسلام. وهؤلاء سبق تفصيل شبهتهم والرد عليها، وبقي القول هنا في بيان منهج المرجئة في هذه القضية وموقف أهل السنة منهم.
وهنا يقال: إن المرجئة لما قرروا أن العمل ليس داخلاً في مسمى الإيمان التزموا أن من ترك العمل بالكلية ليس كافراً. وأن من ناقض الالتزام الظاهر بمجرد العمل لا يكفر أيضاً، بل لابد في الحالين من إظهار ما يدل على كفره بالنطق الدال على الاستحلال والتكذيب، وأن مجرد الرد بالعمل سواء كان ذلك بالترك أو بالفعل لا يكون كفراً لذاته مطلقاً. وقبل بيان شبهتهم وردها بالتفصيل لابد من رد مجمل عليها وهو أن يقال:
إن هناك فرقاً بين أصل الالتزام وبين مقتضياته ولوازمه، فإن من ترك بعض الواجبات لا شك أنه قد خالف حقيقة الالتزام الواجب، وأن إيمانه قد نقص بذلك، لكنه مع ذلك لم يهدم أصل التزامه. فإذا لم يلتزم بالعمل بالكلية فلا يمكن أن يكون محققاً للالتزام الإجمالي الباطن، لأنه حين إذ يكون موصوفاً بأنه غير ملتزم بالشريعة في الظاهر، وأنه ملتزم بها في الباطن، وهذا تناقض لا يمكن بحال.
صـ 199
فالخلاف بين أهل السنة والمرجئة هنا يتحدد في عدم تفريق المرجئة بين ترك جنس العمل وترك آحاده.
ولما التزم المرجئة أن من ترك بعض العمل لا ينقص إيمانه قالوا وكذلك من ترك العمل بالكلية يمكن أن يكون مؤمناً كامل الإيمان.
وإنما يكفي لتحقيق الالتزام في الظاهر مجرد الإقرار، الذي هو عندهم إعلان وإخبار عن الإيمان الباطن.
وبدهي أنه إذا أمكن أن يكون تارك العمل بالكلية مؤمناً كامل الإيمان. فإنه لا يحكم بكفره وخروجه من الملة، لأن تحقق الإقرار يمنع من ذلك عندهم.
يقول اللقاني في شرح الجوهرة: (المختار عند أهل السنة في الأعمال الصالحة أنها شرط كمال للإيمان، فالتارك لها أو لبعضها من غير استحلال ولا عناد ولا شك في مشروعيتها مؤمن فوت على نفسه الكمال، والآتي بها ممتثلاً محصل لأكمل الخصال).
إلى أن قال في شرح قول الناظم: (والإسلام اشرحن بالعمل): (والإسلام اشرحن حقيقته بالعمل الصالح. أعني امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، والمراد الإذعان لتلك الأحكام، وعدم ردها سواء عملها أم لم يعملها) (1).
(1) () (تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد) اللقاني (ص/47)