النور، فلم ير قبحه في ظلمات الجهل والفسوق والظلم. ومع هذا فحجة الله قائمة عليه بالرسالية وبالتعريف الأول) (1).
صـ 196
بتوبة واستغفار، تجتمع عليه الذنوب حتى تهلكه وتطمس نور إيمانه، كما انطمس إيمان المبتدع بالشبهات التي آثرها على الحق الذي عرفه وقامت به الحجة عليه، وقد يخرج كل منهما إلى الكفر الأكبر والعياذ بالله، وهو مع ذلك يطن أنه يحسن صنعاً قال تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾ [الكهف/17].
ولابد بعد كل هذا من التأكيد على أن كفر الضلال والغي مما لا يمكن الحكم به على المعين في الظاهرة، وإنما هو من أحكام الباطن، فإنه ليس كل ابتداع بدعة واعتذر فيها بشبهة يكون غير معذور بذلك، بل قد يكون مخطئاً مجتهداً مأجوراً، وقد يكون غير مأجور إذا لم يجتهد في دليل شرعي، ولا آثم إذا لم يبلغه الحق، وقد يكون غير معذور، ولا يمكن التفريق بين هؤلاء في الظاهر.
كما لا يمكن الحكم على من أصر على المعاصي – حاشا الصلاة – بالكفر، مع أنه قد يكون في الباطن ممن استولى الران على قلبه فطبع عليه، ويكون على الحقيقة كافراً، لكن للظاهر أحكاماً منضبطة لابد من تحقيقها، وليس كل من كان كافراً في الباطن يحكم بكفره في الظاهر، بل الناس إما كافر، وإما مؤمن، وإما منافق مسلم في الظاهر كافر في الباطن.
كما ينبغي التفريق بين فهم الدلالة الذي تقوم به الحجة وبين فهم الهداية والتوفيق الذي من حرمه ضل، فليس كل من حرم فهم الهداية يكون ولابد ممن لم يفهم الحجة. وحكم التكفير كتعلق بقيام الحجة على المعين، ولا تكون الحجة قائمة عليه إلا إذا فهمها ولم تكن له شبهة في عدم قبولها. وعلى هذا فلا يقال إن بلوغ الحجة وقيامها شيء وفهمها شيء آخر، إذا كان المراد بالفهم فهم الدلالة، فإنه إنما تقوم الحجة به، أما فهم الهداية فشيء آخر غير قيام الحجة وبلوغها.
(1) () المرجع السابق، (ص/103 - 104)