ويقول الفراء عن معناه: (كثرت المعاصي والذنوب منهم، فأحاطت بقلوبهم فذلك الرين عليها .. ) (1).
ومن عقوبة الله للمتخاذل عن الطاعة أن يخذله الله عنها، فلا يريدها جزاء له على إعراضه الأول عن التزامها.
ومن ذلك ما جاء في شأن المنافقين الذين اعتذروا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ولا عذر لهم. قال تعالى عنهم: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة /46].
يقول ابن عباس رضي الله عنه: (يريد خذلهم وكسلهم عن الخروج. وقال في رواية: حبسهم) (2).
وذلك أن الله أمرهم بالخروج، ولا يأمر إلا بما يحبه، لكنهم تخاذلوا عن ذلك فخذلهم الله، وعلم أنهم خرجوا لكان في خروجهم مفسدة، وهي
صـ 195
إشاعة الفتنة بين المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة / 47].
وعلى هذا فلو خرجوا لم يكن خروجهم طاعة، وقد علم الله منهم ذلك، فثبطهم عن الخروج، لكنهم لو استجابوا أول الأمر وانقادوا لوفقهم الله تعالى، وقبل منهم ذلك، وكان ذلك منهم طاعة لله تعالى.
ولا يكفي مجرد الخذلان والتثبيط، بل قد يصل الأمر إلى التزيين للمعصية والإعراض عن الطاعة، لأن العاصي إنما أصر على معصيته وأعرض عن الامتثال لأمر الله استحساناً لما فعل، فيوليه الله ما تولى عقاباً له وجزاء وفاقاً على ما حصل منه من ذلك.
يقول تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [فاطر/ 8].
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (تزيينه سبحانه للعبد عمله السيئ عقوبة منه له على إعراضه عن توحيده وعبوديته، وإيثار سيئ العمل على حسنه، فإنه لابد أن يعرفه سبحانه السيئ من الحسن، فإذا آثر القبيح واختاره وأحبه ورضيه لنفسه زينة سبحانه له، وأعماه عن رؤية قبحه بعد أن رآه قبيحاً، وكل ظالم وفاجر وفاسق لابد أن يريه الله تعالى ظلمه وفجوره وفسقة قبيحاً، فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من قلبه، فربما رآه حسناً عقوبة له، فإنه إنما يكشف له عن قبحه بالنور الذي في قلبه، وهو حجة الله عليه، فإذا تمادى في غيه وظلمه ذهب ذلك
(1) () (معاني القرآن) للفراء (3/ 246).
(2) () (شفعاء العليل) لابن القيم (ص/101)