تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعن هذا أيضاً يقول الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ﴿103﴾ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}. [الكهف /103 - 104].

فهؤلاء أعظم الناس خسراناً وأشدهم ضلالاً، لأنهم مع ضلالهم يعتقدون في نفوسهم أنهم محسنون، وأنهم على الحق جزاء وفاقاً لهم، لاسترسالهم مع شبهاتهم وأهوائهم، حتى أصبحت لهم سجية وطبعاً لازماً، لا يعرفون غيره، ولا يرون الحق في سواه.

وسياق الآيات يدل على أن جزائهم بذلك إنما كان نتيجة إعراضهم

صـ 192

أولاً. فقد قال تعالى قبل ذلك: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف / 101].

يقول الإمام ابن كثير رحمه الله في معنى الآية: (أي تغافلوا، وتعاموا وتصاموا عن قبول الهداية واتباع الحق، كما في قوله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) وقال ههنا ﴿وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أي لا يعقلون عن أمره ونهيه) (1)

ومما جاء في نفس هذا المعنى السابق قول الله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأعراف /30].

وقد تقدم أنه لا تحق الضلالة بالعبد إلا بسبب منه، حين يعرض عن الحق ويتبع هواه، وأن الإضلال لا يكون ابتداءً من الله بالعبد دون سابق اختيار منه.

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في معنى قوله تعالى: ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ﴾: (أي وجبت عليه الضلالة بما تسببوا لأنفسهم وعملوا بأسباب الغواية) (2).

ولأجل ما وقع فيه هؤلاء من الشرك باتخاذ الأنداد من دون الله عن علم وبينة حقت عليهم الضلالة، حتى بلغ بهم الأمر أن يعتقدوا أنهم في شركهم ذلك على حق وأنهم مهتدون.

فالضلالة لم تحق عليهم إذن قبل التسبب منهم، بل كانوا قد أشركوا عن علم وبينة، ثم بلغ بهم الحال إلى أنهم كانوا مشركين عن جهل

(1) () (تفسير ابن كثير) (3/ 107)

(2) () (تفسير كلام المنان) عبد الرحمن السعدي، (3/ 18).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ١٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ١٣١