الذين استوقدوا ناراً ثم كفروا، فذهب الله بنورهم فانتزعه كما ذهب بضوء هذه النار، فتركهم في ظلمات لا يبصرون) (1).
ولهذا ختم الله المثل بقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ أي لا يرجعون إلى الإيمان الذي تركوه. قال ابن عباس رضي الله عنه: (أي لا يرجعون إلى الهدى) (2) وقال قتادة: (أي لا يتوبون ولا يذكرون) (3).
ثم يأتي مثل آخر يصور حقيقة نفوس المنافقين واضطرابهم، وعدم قرارهم على شيء، يقول تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ﴿19﴾ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا .. } [البقرة / 19 - 20].
فهم في شكوك وحيرة وضلال وتردد بين الإيمان والنفاق، وبين أن يلتزموا بالحق والهدى أو يتبعوا أهواءهم، فلا يقر لهم في ذلك قرار، ولا يجتمع لهم الأمران.
صـ 191
يقول ابن عباس رضي الله عنه: (كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تعرض لهم الشكوك أظلمت قلوبهم فوقفوا حائرين) (4).
ثم إن عقوبة الله للمعرض عن الحق إيثاراً للهوى واستحساناً لما يعرض له في ذلك من الشبهات أن يجازيه الله عز وجل باعتقاد أن الباطل الذي هو عليه إنما هو الحق، فضلاً عن عدم معرفته بالحق، وهذا غاية ما يكون من الضلال، إذ هو ضلال مركب، اجتمع فيه الجهل بالحق اعتقاد الباطل حقاً.
وفي مثل هذا جاء قوله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴿36﴾ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الزحرف / 36 – 37].
والذي يعشو عن ذكر الله هو الغافل المعرض المتعامي عنه، مع ظهور الحق، وقيام الحجة عليه به، فجزاؤه أن يقيض الله له شيطاناً يزيده ضلالاً، ويحسن له ما هو فيه من الباطل، حتى يحسب أنه الحق والهدى.
(1) () المرجع السابق (1/ 55).
(2) () المرجع السابق (1/ 55).
(3) () المرجع السابق (1/ 55).
(4) () المرجع السابق (1/ 56).