صـ 189
على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة مادامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه)) (1).
والقول الجامع في هذه المسألة: أن فساد القلب باتباع الهوى، إما أن يكون متعلقاً برد الحق بعد تبينة اتباعاً للشبهات وهذا منشؤ الإبتداع.
وإما أن يكون بعدم الالتزام إما بترك المأمورات أو بارتكاب المنهيات اتباعاً للشهوات وهذه حقيقة المعصية.
1 - فأما تحقق الضلال في القلب فقد يستولي على القلب بالكلية، بحيث ينتفي معه أصل الدين، وقد يكون أصل الدين ثابتاً في القلب مع تحقق الضلال المستوجب للوعيد بالنار، الذي هو وعيد الفرق الهالكة التي لم تخرجها بدعتها إلى الكفر، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)) (2).
وقد ذكر الله عز وجل عن المنافقين أنهم قد ضلوا، وأنه قد ختم على قلوبهم فلا يؤمنون.
وضرب لهم مثلاً فقال تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ ﴿17﴾ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [البقرة / 17 - 18].
فهؤلاء المنافقون الذين بان لهم الحق وقامت عليهم الحجة فتركوها
صـ 190
اتباعاً لأهوائهم، كمثل الذي استوقد ناراً يستضيء بها، فلما تحقق ذلك له وأبصر انطفأت تلك النار، فحصل له من الظلمة مكان النور الذي كان فيه ما هو شبيه بحال المنافقين الذين اتبعوا أهوائهم، وتركوا النور الذي أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، فأعقبهم ذلك ضلالاً بعد الهداية به ومعرفته.
يقول ابن عباس رضي الله عنه: (هم قوم كانوا على هدى ثم نزغ منهم فعتوا بعد ذلك) (3). ويقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رحمه الله: (هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم، كما أضاءت النار لهؤلاء
(1) () رواه مسلم، كتاب الإيمان، (144).
(2) () أخرجه أبو داود في كتاب السنة (4596). والترمذي، كتاب الإيمان، (2642)، وقال حديث حسن
(3) () (تفسير ابن كثير) (1/ 45)