تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونتيجة لذلك فلا يكون الإضلال من الله للعباد إلا بعد أن يتبين لهم أن ما هم عليه باطل، يلزمهم أن يتقوه ويجتنبوه.

ومما يدل على هذا الأصل قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء /115].

فالمشاقة لا تكون إلا بعد التبين للحجة، وإضلال الله للعبد بتوليه ما تولى من الإعراض عن الحق ومشاقة الرسول إنما تكون أيضاً بعد ما تولى من الإعراض عن الحق وشاقة الرسول إنما تكون أيضاً بعد تبين الحجة.

والأصل في اشتراط قيام الحجة قبل إضلال الله للعبد مبنى على أصل آخر، وهو: أن من بلغه الحق فلا بد أن يقبله فيكون من المهتدين

صـ 188

به، أو يرده ولا يكون ذلك لمجرد الترك وإنما يكون إتباعاً للهوى.

وإذا كان الأمر كذلك فإن العبد يكون هو الذي اختار طريق الضلالة والغي بنفسه، وآثرها على طريق الهداية، ولهذا نجد أن الإخبار عن أهل الكتاب وما حصل منهم من التفرق يأتي مقروناً في كتاب الله ببيان أن تفرقهم وبغي بعضهم على بعض كان من بعد ما جاءهم العلم، كما قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران / 19].

وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى / 14].

وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة / 4].

وعلى هذا فالسبب في الضلال الذي هو جزاء وعقوبة من الله هو ضلال العبد أولاً برده للحق، وكذلك السبب في الغي هو ترك الالتزام بأمر الله تعالى أولاً.

يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف / 5] ويقول تعالى ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً﴾ [البقرة / 10].

فزيغ القلب وضلاله وتحقق الغي فيه إنما هو بسبب زيغ وضلال وغي من العبد ابتداءً. ولا يكون ذلك ابتداءً من الله بالعبد.

ويدل لهذا حديث حذيفة رضي الله عنه في عرض فتن الشبهات والشهوات على القلوب، وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشر بها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين،

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ١٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ١٢٨