صـ 186
2 - كفر الضلال والغي
الأصل في الكفر مطلقاً أنه إنما يكون عن عناد واستكبار وإعراض عن الحق، بعد معرفته وقيام الحجة به.
ولا يخرج كفر الضلال والغي عن هذه القاعدة. وذلك أن الأصل في كفر الضلال والغي أنه كفر عناد ترتب عليه تحقق الضلال والغي، جزاءً وفاقاً على إعراض العبد عن الحق، وعدم التزامه بأمر الله ونهيه.
قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية /23].
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله: (قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ يحتمل قولين: أحدهما: وأضله لعلمه أنه يستحق ذلك. والآخر: أضله الله بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه، والثاني يستلزم الأول ولا ينعكس) (1).
والحقيقة أن سياق الآية يدل أن المراد بها المعنى الثاني دون الأول، لأن الإضلال كان نتيجة اتخاذ الهوى إلهاً متبعاً، وإنما المانع من قبول الحق اتباع الهوى.
ولا يعارض هذا المعنى الأول، فإن كل شيء لا يكون إلا حسب علم الله وتقديره عز وجل، لكن ليس هذا هو المراد بالآية.
ومما يدل على هذا الأصل أيضاً قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام / 110].
صـ 187
يقول ابن عباس رضي الله عنه: (لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء، وردت عن كل أمر) (2).
وقال رضي الله عنه في معنى قوله تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: (أخذلهم وأدعهم في ضلالهم يتمادون) (3).
ويقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة /115].
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (هداهم هدى البيان والدلالة فلم يهتدوا، فأضلهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء أولاً، بعد أن عرفوا الهدى فأعرضوا عنه، فأعماهم عنه بعد أن أراهموه) (4).
(1) () (تفسير ابن كثير) (4/ 151).
(2) () (تفسير أبن كثير) (2/ 166).
(3) () (شفاء العليل) لابن القيم. (ص / 100)
(4) () المرجع السابق (ص/79 – 80)