تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القلوب في ذلك، وكذلك قبول ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عندهم هو اعتقاد أن ما جاء به حق وصدق دون شرط الالتزام.

وقد أخطأوا في قولهم إن الكفر هو التكذيب من وجهين:

الأول: حصرهم الكفر في مجرد التكذيب كما تقدم.

الثاني: ظنهم أن التكذيب يقوم بالباطن، بحيث ينتفي التصديق عن الكافر.

ولهذا لما فطن بعضهم لهذا التناقض التزم بأن أحكام الكفر على الظاهر فقط، مع احتمال تحقق الإيمان في الباطن، وأما أغلبهم فعلى أن الكفر لا يجامع التصديق، الذي هو حقيقة الإيمان عندهم، فعارضوا بذلك الضروريات، إذ من المعلوم أنه لا فرق بين التصديق والعلم الجازم، وأن العلم الجازم إذا تحقق لا يمكن دفعه عن النفس بمجرد الإدارة، لأن الإدارة تتبعه وهو لا يتبعها، وحاصل كلامهم في هذه المسألة هو التفريق بين التصديق بمعنى العلم الجازم والتصديق بمعنى الاعتقاد، فجعلوا الثاني اختيارياً دون الأول، وقالوا: إن الفرق

صـ 185

بين من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به – كعمه أبي طالب مثلاً – وبين من صدقه وآمن به هو الاعتقاد الاختياري الزائد عن التصديق الضروري، والحقيقة أن الكفر الباطن لا يكون بالتكذيب مع العلم بالحق، وإنما يكون بالظاهر فقط مع تحقيق التصديق الباطن.

فعلم أن الإيمان لا يمكن أن يكون مجرد التصديق، لانتفاء أن يجتمع الإيمان الباطن مع الكفر الظاهر، وعلم أيضاً أن التصديق الذي هو علم القلب الجازم لابد له من لازم، وهو عمل القلب لتحقيق الإيمان الباطن، وأن هذا اللازم ليس هو نفس التصديق الذي هو من باب الاعتقاد والمعرفة، وإنما لابد أن يكون الذي معه من باب الإرادة الاختيارية.

فإن التزموا أن ذلك من مسمى التصديق لزمهم أنه لابد في تحقيق الإيمان من العمل الظاهر، لأن الإرادة الجازمة أمر الله لابد معها من تحقق العمل في الظاهر، وإن قيل بل تكون إرادة جازمة في القلب دون اشتراط عمل في الظاهر رجع الأمر إلى أن الإيمان عندهم ليس من باب الإرادة، وإنما هو باب الاعتقاد فقط، وهذا هو حقيقة قولهم (1).

(1) () انظر أيضاً: الكلام عن الفرق بين مرجئة الفقهاء ومرجئة المتكلمين في فصل: كفر دون كفر من هذا الباب. وفصل: العلاقة بين الظاهر والباطن من الباب الثالث.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ١٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ١٢٦