صـ 183
1 - كفر التكذيب والاستحلال.
لا يكون كفر التكذيب والاستحلال باعتقاد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كاذب، وإنما يكون تكذيباً باللسان مع العلم بالحق في الباطن. وذلك أن التكذيب لا يتحقق إلا ممن علم الحق فرده، وأما من لم يتبين له الحق، وكان له شبه فلا يكون مكذباً ولا راداً للحق.
ولهذا نفى الله أن يكون تكذيب الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم على الحقيقة والباطن، وإنما باللسان فقط فقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام/33] وأثبت لهم اليقين مع جحودهم للحق في الظاهر فقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل /14].
ويشمل كفر التكذيب من كان كافراً كفراً أصلياً، قامت عليه الحجة الرسالية فعاند وكذب الرسول ولم يقبل ما جاء به، فهذا كافر ظاهراً وباطناً، في أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة – يهودي ولا نصراني – ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)) (1).
كما يشمل كفر التكذيب من كان مسلماً ثم طرأ عليه التكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم جملة، وهذا ظاهر، أو بأي شيء مما جاء به، بحيث لا يكون ذلك عن شبه يعذره الله بها.
ويدخل كفر الاستحلال في عموم كفر التكذيب، لأن كل طلب – واجب أو مستحب – يستلزم ابتداء التصديق به، إذا قامت به الحجة على المعين.
صـ 184
فإن ارتكب معصية مع اعتقاده أنه مخالف فإنه لا يكون قد نقض إيمانه بذلك، وإن كان الإيمان ينقص بارتكاب المعاصي.
لكن لو لم يعتقد أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حق مع علمه بالحق في ذلك فإنه يكون مستحلاً للمعصية، ارتكب مع ذلك المعصية أو لم يرتكبها.
وكفر التكذيب والاستحلال هذا هو حقيقة الكفر عند المرجئة، إذ لا يكون الكفر عندهم إلا عندهم بما يناقض الاعتقاد والتصديق، الذي جعلوه حقيقة الإيمان، سواء في توحيد الله تعالى أو قبول ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث إن التوحيد عندهم هو مجرد توحيد الله في ذاته وصفاته وأفعاله دون أن يدخلوا أعمال
(1) () أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، (153).