وهكذا يكون كل إنسان عابداً ولابد، لأنه مريد ولابد، والإرادة الناشئة عن محبة الله والافتقار إليه هي أصل الألوهية وحقيقة العبادة، فمن لم تكن عبوديته لله كانت لغيره أياً كان ذلك المعبود المراد.
ولهذا جاء في كتاب الله كثيراً المقابلة بين الإيمان بالله والدار الآخرة، وبين الاغترار بالدنيا والاطمئنان إليها. دلالة على أن من لم تكن عبوديته لله ومراده رضوان الله والدار الآخرة. فإنه يكون عبداً ولابد للدنيا، حيث آثرها وأحبها ورضي بها عن الدار الآخرة.
ولهذا سمى الرسول صلى الله عليه وسلم محب المال عبداً للدرهم والدينار، لأن العبودية عبودية القلب، وأصل العبودية حب المعبود واتخاذه غاية وإلهاً ومطلوباً مراداً.
صـ 168
ولهذا كله كان من انصرف إلى الدنيا وآثرها عبداً لها، مشركاً في الألوهية، خالداً في النار، ويدل لذلك آيات كثيرة منها:
قول الله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ ﴿15﴾ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود / 15 - 16].
وقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى / 20].
وقوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء / 18].
وقوله تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَى ﴿37﴾ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿38﴾ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ﴿39﴾ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴿40﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات / 37 - 41]. وغير ذلك من الآيات ما في معناها كثير.
ومما ينبغي التأكيد عليه هنا أنه لابد من التفريق بين شرك الإرادة المستوجب للشرك الأكبر والخلود في النار، وبين الشرك الأصغر المستوجب لحبوط لعمل وإن لم يكن مخرجاً من الملة.
والضابط الفارق في ذلك هو النظر إلى النية والباعث على العمل، فمن كان عمله اتباعاً للهوى مطلقاً وإرادة الدنيا أصلاً كان مشركاً شركاً أكبر. ومن كان الباعث له على العمل حب الله وابتغاء رضوانه والدار الآخرة لكن دخل مع ذلك حب الجاه أو نحو ذلك من أسباب الرياء كان مشركاً شركاً أصغر.