إن الإنسان – كل إنسان – واقع بين هذين الخيارين، وإما أن يختار الله والدار الآخرة والنعيم الأبدي الذي هو علم الغيب، وإما أن يختار الدنيا وزينتها وما فيها من نعيم حاضر، تكون الحياة هي كل أمله ونهاية مطلوبة، وفي سبيلها يسعى ويكدح.
وهنا حقيقة مهمة، وهي أنه لا يمكن الزهد في الدنيا إلا بإخلاص الإرادة والمحبة لله وحده، وأن من ضعف إخلاصه لله زاد تعلقه بالدنيا ولا بد. فالقلب لا يفرغ عن الإرادة والمحبة مطلقاً، فمتى لم تتجه إرادته لله لغيره، ومن لم يكن عبداً لله كان عبداً لغيره ولا بد، فالقلب – كما تقدم – لابد له من محبوب مراد، ومن لم يشغل نفسه بالحق شغلته بالباطل، وليس الحق إلا بإرادة الله وحده، والباطل كل مراد غيره ليست إرادته لأجله عز وجل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (كل من استكبر عن عبادة الله لابد أن يعبد غير الله، فإن الإنسان حساس متحرك بالإرادة.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أصدق الأسماء حارث وهمام) والحارث الكاسب والهمام فعال من الهم. والهم أول الإرادة. فالإنسان له إرادة دائماً، وكل إرادة فلابد لها من مراد تنتهي إليه.
فلابد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته، بل استكبر عن ذلك فلابد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله، فيكون عبداً لذلك المراد المحبوب، إما المال والجاه، وإما القصور، وإما ما يتخذه إلهاً من دون الله كالشمس
صـ 167
والقمر والكواكب والأوثان وقبور الأنبياء والصالحين، أو من الملائكة والأنبياء الذين يتخذهم أرباباً، أو غير ذلك مما عبد من دون الله.
بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكباراً عن عبادة الله كان أعظم إشراكاً بالله، لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب الذي هو مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركاً بما استعد من ذلك) (1).
(ومن لم يكن مخلصاً لله عبداً له قد صار قلبه مستعبداً لربه وحده لا شريك له بحيث يكون هو أحب إليه مما سواه، ويكون ذليلاً خاضعاً له وإلا استبعدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وكان من الغاوين إخوان الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه) (2).
(1) () (العبودية) للإمام ابن تيمية (ص / 32).
(2) () المرجع السابق (ص / 43).