ص 160
المجاز وعدم الاعتقاد بالظاهر يستلزم ألا تكفر أحداً بقول مطلقاً، لاحتمال المجاز إما بالحذف وإما بالإضافة وإما بتغيير المعنى، ولا معنى لتخصيص الأخذ بالمجاز في قضية دون أخرى، لأن قرينة الوحدة الصارفة للكلام عن حقيقته هنا متحققة في كل من نطق بما هو كفر من المسلمين. هذا من حيث العموم.
وأما من حيث النظر اعتباراً المجاز في سؤال غير الله مالا يقدر عليه إلا الله فإنه خلاف الواقع الضروري الذي لا يمكن اعتبار المجاز معه.
وهذه أمثلة من الاستغاثات بغير الله يعلم قطعاً أن تعيين المخلوق بالطلب وإسناد الفعل إليه متحقق ولابد عند السائل.
من ذلك ما ذكره الشعراني في طبقاته عن أحمد البدوي يقول: (وكان سيدي عبد العزيز إذا سئل عن سيدي أحمد رضي الله عنه يقول: هو بحر لا يدرك له قرار، وأخباره ومجيئه بالأسرى من بلاد الإفرنج وإغاثة الناس من قطاع الطريق، وحيلولته بينهم وبين من استنجد به لا تحويها الدفاتر رضي الله عنه.
قلت: (يعني الشعراني): وقد شاهدت أنا بعيني سنة خمس وأربعون وتسعمائة أسيراً على منارة عبد العال رضي الله عنه مقيداً مغلولاً وهو مخبط العقل فسألته عن ذلك فقال: بينما أنا في بلاد الإفرنج آخر الليل توجهت إلى سيدي أحمد فإذا أنا به فأخذني وطار بي في الهواء فوضعني هنا. فمكثت يومين ورأسه دائرة من شدة الخطفة) (1). عن أحمد البدوي يقول الشعراني أيضاً: (أخبرنا الشيخ محمد الشناوي رضي الله عنه أن شخصاً أنكر حضور (مولده أي مولد
ص 161
البدوي) فسلب الإيمان فلم يكن فيه شعرة تحن إلى دين الإسلام فاستغاث بسيدي أحمد رضي الله عنه فقال: بشرط ألا تعود! فقال نعم، فرد عليه ثوب إيمانه) (2).
وعن البدوي أيضاً ينقل الشعراني قوله: (وعزة ربي ما عصى أحد في مولدي إلا وتاب وحسنت توبته، وإذا كنت أرى الوحوش والسمك في البحار وأحميهم من بعضهم بعضاً أفيعجزني الله عن حماية من يحضر مولدي) (3).
(1) () (الطبقات الكبرى) للشعراني (1/ 162 – 163).
(2) () المرجع السابق (1/ 162).
(3) () المرجع السابق (1/ 162).