تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا هو الملك والشركة التي نفاها الله عز وجل في كتابه عن غيره لا مجرد ملك الاستقلال والخلق، مع أن هذا أيضاً شرك، بل هو أعظم من شرك الطلب.

إذا علم هذا فإن شرك الطلب من غير الله بهذا المفهوم هو قرين شرك الشفاعة، لكن شرك الشفاعة فيه رفع الشافع الطلب والدعاء إلى الله بحيث يستجيب الله للمشفوع له بمجرد إرادة الشافع، وشرك طلب الرزق والعطاء فيه استنزال الخير والعطاء من غير الله تعالى. ويجمعهما اعتقاد أن من سئل الشفاعة أو الرزق والعطاء نافذ الإرادة لأجل مكانته عند الله عز وجل. وهذه هي حقيقة الواسطة الشركية.

يبين ما سبق أن مشركي قريش مع أنهم كانوا يطلبون من معبوداتهم رفع الشفاعة إلى الله، وجلب النفع ودفع الضر لم يكونوا يعتقدون فيهم أنهم مستقلون بالخلق والتدبير، بل صرحوا أنهم إنما اتخذوهم شفعاء لا غير.

يقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [يونس / 31].

ويقول تعالى: {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿88﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون /88 - 89].

فهم مقرون بأن الله هو مدبر الأمر، وأنه بيده ملكوت كل شيء،

ص 158

ومع ذلك يطلبون الشفاعة وجلب النفع ودفع الضر من غيره، فأشركوا في الطلب لا في أصل الاعتقاد.

وشبهة هؤلاء المشركين فيما فعلوه هي أن هؤلاء الذين يطلبون منهم ذلك ويعبدونهم فليس ذلك على أنهم يخلقون ويرزقون ويدبرون الأمر على جهة الاستقلال عن الله، ولا على أنهم يستحقون العبادة لذاتها بل لأجل التقريب من الله.

يقول تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ﴾ [يونس/18].

ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ... ﴾ [الزمر/3].

ولكن هؤلاء المرجئة حين استقر عندهم أن الشرك لا يكون إلا باعتقاد الخلق والإيجاد لغير الله التزموا أن المشركين لم يكونوا صادقين في قولهم إن الله هو الخالق وهو مدبر الأمر!! ولم يكونوا جادين في أنهم إنما يعبدون غير الله من أجل التقريب والشفاعة، لا على جهة استحقاق العبادة من دون الله!! (1).

(1) () أنظر "مفاهيم يجب أن تصحح" لمحمد علوي مالكي (ص / 26 - 27).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ١٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ١٠٧