تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ص 149

تنص على ذلك، كمثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه /109].

وقد تقدم أن الإذن للشافع لا يكون إلا إذا رضي الله عنه، ولا يرضى عنه إلا إذا كان على التوحيد. وأما رضى الله لقوله فالمقصود رضاه لشفاعته، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت حقاً وصواباً. وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ موافق لقوله تعالى في الآية الأخرى: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ﴿37﴾ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴿38﴾} [النبأ / 37 - 38]. فإذا لم تكن الشفاعة بالحق والصواب لم تقبل، ولو تحقق الشرط الأول الذي هو الرضى عن الشافع.

ولهذا لم يقبل الله شفاعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في أن يستغفر لأمه، بل قال صلى الله عليه وسلم: (استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته أن استغفر لها فلم يأذن لي) (1).

ولم يأذن الله له صلى الله عليه وسلم ولم يقبل شفاعته في بعض المنافقين مع استغفاره لهم، بل قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة/80].

فلم تقبل شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أمه، ولا في أولئك المنافقين، لأنهم على الكفر، والكافر لا يغفر الله له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ النساء /48].

ومثل ذلك شفاعته إبراهيم عليه السلام في أبيه أن يدخله الله الجنة فلم يقبل شفاعته، وقد جاء في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن

ص 150

الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين " (2).

فالسبب في عدم قبول شفاعة إبراهيم عليه السلام مع عظيم منزلته عند الله هو كفر أبيه وأن الله لا يدخل من كان كافراً الجنة.

ومثل ذلك أيضاً شفاعة نوح عليه السلام في ابنه أن ينجيه الله من العذاب العام الذي حل بالقوم الكافرين الذين كذبوه وكان منهم ابنه. قال تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: {رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ

(1) () رواه مسلم / كتاب الجنائز / (976). والنسائي في / كتاب الجنائز / (2024). وابن ماجة / كتاب الجنائز / (1572).

(2) () أخرجه البخاري / كتاب الأنبياء / (3350).

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ١٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعةص ١٠١