تنوع الناس فيمن يذمهم:
ومن الناس من يحب أن يقال في وجهه ما يكرهه إن كان على وجه النصح، وهو حسن، وقد قال بعض السلف لبعض إخوانه: "لا تنصحني حتى تقول في وجهي ما أكره"، فإذا أخبر أحد أخاه بعيب ليجتنبه كان ذلك حسناً، وإن كان ذلك على وجه التوبيخ بالذنب فهو قبيح مذموم، وقيل لبعض السلف: أتحبُّ أن يخبرك أحد بعيوبك؟ فقال: "إن كان يريد أن يوبخني فلا".
كيف يرى المؤمن من يذمه:
والمقصود أن من ذمك إما أن يكون صادقاً فيما قال، قاصداً للنصح لك، فينبغي أن تتقلد منته، ولا تغضب، فإنه قد أهدى إليك عيوبك، وإن لم يقصد بذلك النصح، فإنه يكون قد جنى هو على دينه، وانتفعت بقوله، لأنه عرفك ما لم تكن تعرف، وذكرك من خطاياك ما نسيت، وإن افترى عليك بما أنت منه بريء، فاحمد الله تعالى أن ستر عيوبك عن الناس، وتيقن أنك إن خلوت من ذلك العيب لم تخل من أمثاله، وعد ذلك كفارات لذنوبك، واعلم أنه قد جنى على دينه، وتعرض لغضب الله وسخطه عليه ومقته، فينبغي أن تكون كريما فتسأل الله العفو عنه، كما روي أن رجلاً شج إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى، فدعا له بالمغفرة وقال: صوت مأجور بسببه، فلا أجعله معاقباً بسببي.
فالتوبيخ والتعيير بالذنب مذموم وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تُثَرَّبَ الأمة الزانية مع أمره بجلدها، فتجلد حداً ولا تعير بالذنب ولا توبخ به، وقال تعالى: ﴿لاَ تَثْريبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ والتثريب التَّعيير والتوبيخ، أي لا تعيير ولا توبيخ ولا لوم عليكم اليوم؛ قاله سفيان الثوري وغيره؛ وقال الأَصمعي: ثَرَّبْتُ عليه وعَرَّبْتُ عليه بمعنى إذا قبحت عليه فعله، وفي الترمذي وغيره مرفوعاً: "من عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله"، وحُمل ذلك على الذنب الذي تاب منه صاحبه، قال الفضيل بن عياض رحمة الله: "المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويُعير، فالنصح يقترن به الستر والتعيير يقترن به الإعلان.