تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بجانب هذه الحركة الفلسفية كانت حركة واسعة في الأدب والعلم والفن، وأطلق على هذه الحركات كلها مدرسة الإسكندرية، وقد عاشت من سنة 306ق.م إلى 642ب.م. وكان يغذي هذه الحركة متحف الإسكندرية، ومكتبتها المشهورة.

ويقسم مؤرخو هذه المدرسة تاريخها إلى عصرين؛ العصر الأول: من قيام دولة البطالسة إلى غلبة الرومان (أعني من سنة 306ق.م، إلى سنة 30م) وقد عدت الإسكندرية في هذا العصر في مقدمة بلاد العالم في الأدب. والعصر الثاني: من سنة 30م إلى سنة 642م، وهي سنة فتح العرب للإسكندرية، وتمتاز في هذا العصر بالمذهب الفلسفي الذي أشرنا إليه، وكانت المدرسة في عصريها متصلة بالعالم حولها تمده بنورها.

انتشرت الديانة النصرانية في الإسكندرية، في العهد الروماني، كما انتشرت في غيرها، وقامت النصرانية فيها بجانب الفلسفة اليونانية، واختلفت النصارى فيما بينهم طوائف وشيعا، وتجادلوا في طبيعة المسيح، وناسوته، ولاهوته وعلاقة المسيح بالله، فلجئوا إلى الفلسفة يستعينون بما لها من منطق وترتيب في الجدل، وبما لها من أبحاث وراء المادة، ومن ثم اتصلت النصرانية بالفلسفة اليونانية، وكانت أول حركة للاتصال في الإسكندرية، كما اتصلت اليهودية بالفلسفة في الإسكندرية أيضا من قبل على يد فيلون. وكان من أوائل النصارى في ذلك «كليمان الإسكندري»

Clement

13

فمزج النصرانية بالأفلاطونية، ثم من بعده (185-254م) تلميذ أفلوطين «أوريجين»

Origen ، واضطهد أوريجين ففر من الإسكندرية، وأنشأ مدرسة على النمط الإسكندري في قيصرية في فلسطين. ثم أسست بعد مدرسة على هذا النمط في نصيبين، وأغلقت مدرسة نصيبين، فانتقلت إلى الرها. وهكذا انتشر النمط الإسكندري في مزج النصرانية بالفلسفة في أنحاء الشرق، وأصبح كثير من رجال الكنيسة يعلمون النصرانية مفلسفة أو الفلسفة منصرة، وجدوا في التوفيق بين ما يتعارض بينهما، فمثلا قالت النصارى: «إن المسيح ابن الله»، والأبوة مقدمة على البنوة، تقدم السبب على المسبب، وإذن كان الله قبل المسيح. وترى الفلسفة أن العلة الأولى، أو بعبارة أخرى «الله» لا يلحقه تغير، فكيف يكون أبا، وكان قبل غير أب، فيجب أن يفسر الابن تفسيرا يتفق والفلسفة، وهكذا.

وكان أغلب القائمين بهذه الحركة النصارى النساطرة، فبثوا مدارسهم وتعاليمهم في الشرق، وكانوا يعلمون باللغة السريانية، وينقلون الكتب اليونانية إلى السريانية. وكانت الحرب في ذلك العهد قائمة بين الفرس واليونان في آسيا، فكان كثير من البلاد يقع حينا في يد الرومان، وحينا في يد الفرس. وأقنع «برسوما» ملك الفرس «فيروز» بأن النساطرة يكرهون الرومانيين؛ بما لقوا منهم من عنت، وأنهم يوالون الفرس، فقبل منهم فيروز ذلك، وظلوا هم قائمين بما وعدوا

Oleary, Arabie Thought . •••

ولعل هذا الذي ذكرنا يلقي ضوءا على كثير من المسائل الغامضة التي تعترض الباحث: كيف اتصل الفرس بالفلسفة اليونانية، وكيف عرفوا «إيساغوجي» وأمثاله من كتب اليونان؟ وكيف كانت الأديار المبثوثة في الشرق مصدرا للفلسفة اليونانية؟ وكيف اتصل المسلمون بالفلسفة اليونانية؟ فظهرت في المجادلات الدينية وغيرها، وفي مناقشات المعتزلة وغيرهم، قبل أن تنقل الفلسفة اليونانية إلى اللغة العربية نقلا منظما في عهد المأمون ومن بعده. ولم كان المترجمون الأولون (من السريانية أو اليونانية إلى العربية) أكثرهم نصارى أو وثنيون؟ لعل القارئ يجد طرفا من الإجابة عن هذه الأسئلة فيما حكينا.

كانت الكنيسة الإسكندرانية والمصرية في الغالب على مذهب اليعاقبة، وكانت لغتها السريانية والقبطية، وكان إنتاج النساطرة في آسيا في الفلسفة باللغة السريانية أكثر من إنتاج اليعاقبة في مصر؛ لأن الجدل الديني في آسيا (وخاصة في العراق) بين النصارى بعضهم وبعض، وبين النصارى وغيرهم من أهل الديانات الأخرى؛ كان أكثر منه في مصر، وقد اشتهرت مدرسة الإسكندرية بالطب والكيمياء والعلوم الطبيعية، وكانت كذلك عند الفتح العربي، ولكن أبحاثها إذ ذاك كانت ممزوجة بالسحر والطلاسم والتنجيم. غلب على اليعاقبة في مصر مذهب الأفلاطونية الحديثة، والميل إلى التصوف، وحب معيشة الأديار والرهبنة، على حين غلب على النساطرة في آسيا الميل إلى التفكير الفلسفي، وحب المنطق من غير إغراق في الروحانية والرهبنة، وإن كانت لهم أديار.

ضحى الإسلام · الصفحة ٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٩٩