تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

روى ابن النديم أن المأمون اجتاز في آخر أيامه ديار مصر، يريد بلاد الروم للغزو، فتلقاه الناس يدعون له، وفيهم جماعة من الحرانيين (الحرنانيين). وكان زيهم إذ ذاك لبس الأقبية، وشعورهم طويلة بوفرات، فأنكر المأمون زيهم! وقال لهم: من أنتم من الذمة؟ قالوا: لا، قال: فمجوس أنتم؟ قالوا: لا، قال لهم: أفلكم كتاب أم نبي؟ فجمجموا في القول. فقال لهم: فأنتم إذن الزنادقة عبدة الأوثان، وأصحاب الرأس في أيام الرشيد والدي، وأنتم حلال دماؤكم، لا ذمة لكم. فقالوا: نحن نؤدي الجزية! فقال لهم: إنما تؤخذ الجزية ممن خالف الإسلام من أهل الأديان الذين ذكرهم الله عز وجل في كتابه ولهم كتاب، فاختاروا أحد أمرين؛ إما أن تنتحلوا دين الإسلام، أو دينا من الأديان التي ذكره االله في كتابه، وإلا قتلتكم عن آخركم، فإني قد أنظرتكم إلى أن أرجع من سفرتي هذه. ورحل المأمون يريد بلد الروم، فغيروا زيهم، وحلقوا شعورهم، وتركوا لبس الأقبية، وتنصر كثير منهم، ولبسوا زنانير، وأسلم منهم طائفة، وبقي منهم شرذمة بحالهم، وجعلوا يحتالون ويضطربون، حتى انتدب لهم شيخ من أهل حران فقيه، فقال لهم: قد وجدت شيئا تنجون به، وتسلمون من القتل. فحملوا إليه مالا عظيما، فقال لهم: إذا رجع المأمون من سفره فقولوا له نحن الصابئون! فهذا اسم دين قد ذكره الله جل اسمه في القرآن، فانتحلوه فأنتم تنجون به، وقضى أن المأمون توفي في سفرته، وانتحلوا ذلك الاسم من ذلك الوقت؛ لأنه لم يكن بحران ونواحيها قوم يسمون بالصابئة، فلما اتصل بهم وفاة المأمون ارتد أكثر من كان تنصر منهم وطولوا شعورهم، إلخ،

11

وأطلق عليهم الصابئة منذ ذلك الحين. •••

على كل حال كان هؤلاء الحرانيون منبعا كبيرا من منابع الثقافة اليونانية في العهد الإسلامي، وقد اتصلت مدرستهم بالخلفاء العباسيين بعد اتصال مدرسة جنديسابور، وبعد العصر الذي نؤرخه. فأول من اتصل منهم ثابت بن قرة 2321-288ه) أوصله بالمعتضد بنو موسى بن شاكر) الذين رباهم المأمون. ومن ذلك الحين قرب الحرانيون من الخلفاء، ثم من بني بويه، واشتهر منهم ثابت بن قرة هذا الرياضي الفلكي، وابن سنان الطبيب العالم بالظواهر الجوية وقد أسلم، وحفيده إبراهيم بن سنان، كما اشتهر منهم أسرة هلال، ومنهم هلال بن إبراهيم، وكان طبيبا، وابنه الأديب المشهور إبراهيم أبو إسحاق الصابئ، صاحب الرسائل، وكان بليغا وله اليد الطولى في الرياضة والهندسة والهيئة. كما كان من الحرانيين «البتاني» أحد المشهورين برصد الكواكب، والمتقدمين في علم الهندسة، وصاحب الزيج المنسوب إليه. ومنهم أبو جعفر الخازن الرياضي، وابن وحشية المنسوب إليه الفلاحة النبطية ... إلخ. ولئن كانت مدرسة جندياسبور لها الأثر الكبير في نشر الثقافة اليونانية في الطب، وما إليه من فلسفة، فمدرسة حران كان أثرها الأكبر في الرياضيات، وخاصة الهيئة. ولعل ما في ديانتهم من تعظيم الكواكب، وإقامة الهياكل لها كان باعثا على نبوغهم في العلوم الرياضية والفلكية. •••

وأما الإسكندرية: فعاصمة مصر اليونانية، وبها ولد مذهب من أكبر المذاهب الفلسفية هو مذهب الإسكندرانيين، أو الأفلاطونية الحديثة. مؤسسه مصري هو «أفلوطين» (205-269م)، وهذا المذهب مدين بأهم أفكاره لفلاسفة اليونان، فعناصره الأولى مستمدة من آراء أفلاطون، وأرسطو، والرواقيين.

12

وقد امتاز بروحانيته ونقده للمذهب المادي، حتى لقد حكى أفلوطين أنه وصل في روحانيته إلى الاستغراق في الوحدانية، أو إلى التعبير الصوفي «الفناء في الألوهية» بضع مرات في حياته، ووصل إلى ذلك تلميذه مرة واحدة. وقد ظل مذهبه هو فورفوريوس

Porphyry

المذهب الفلسفي السائد في المملكة الرومانية نحو قرنين ونصف قرن بعد وفاة مؤسسه، حتى أتى الإمبراطور جوستنيان فأمر سنة 529م بإغلاق مدارس أثينا الفلسفية، وصادر أملاك الفلاسفة، وغل عقولهم وقيد ألسنتهم.

ضحى الإسلام · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٩٨