وقد اتصل المسلمون بمدرسة الإسكندرية في العهد الأموي، فنرى أن خالد بن يزيد بن معاوية يترجم له بعض كتب «اصطفن» ويلقبه القفطي اصطفن الإسكندراني، ونرى بن أبجر (وهو طبيب سكندري) يسلم على يد عمر بن عبد العزيز، ويصحبه ويستطبه عمر، ويعتمد عليه في صناعة الطب.
14
وفي العصر العباسي، نرى ذكرا لبعض تلاميذ المدرسة الإسكندرانية؛ فابن أبي أصيبعة يروي أن «بليطيان» كان طبيبا نصرانيا مشهورا بديار مصر، وكان بطريركا على الإسكندرية في أيام المنصور، فلما ولي الرشيد مرضت له جارية مصرية فطلب لها طبيبا مصريا؛ لأنه أبصر بعلاجها، فأرسل إليه «بليطيان». وبعده كان سعيد بن توفيل طبيب أحمد بن طولون، وهكذا.
15
ولكن مما نلاحظ أن مدرسة الإسكندرية لم تتصل بالخلفاء العباسيين اتصال مدرسة جنديسابور وحران وأمثالهما، ولم يكن لها أثر كأثرهما، ولعل السبب في ذلك بعد مصر عن العراق، وقرب حران وجنديسابور، وأن مدرسة الإسكندرية كما أشرنا انغمست في العزائم والرهبنة والمكاشفة، على العكس من مدارس العراق؛ فقد كانت أعلم بشئون الدنيا، وأكثر اهتماما بعلومها، وهذا أنسب لدولة ناهضة كالدولة العباسية، أما نزعة الإسكندرية هذه فتناسب التصوف، وسنعرض لذلك عند الكلام في التصوف إن شاء الله. وسبب آخر، وهو ضعف مدرسة الإسكندرية قبيل الإسلام، واضطهاد أهلها، وإحراق كتبها، حتى اضطر كثير من معتنقيها إلى التنصر، أو الفرار من البلاد.
على كل حال فسر النساطرة واليعاقبة كثيرا من كتب اليونان، نقلوها من هذه اللغة إلى اللغة السريانية، فلما اتصلوا بالعرب كانوا هم أيضا البادئين بنقل هذه الكتب من السريانية إلى العربية وشرحها، وتاريخ هذه الحركة التي قام بها هؤلاء النساطرة واليعاقبة يدلنا على عيبين كبيرين فيها:
الأول:
قلة الابتكار، فلم يزيدوا على ما نقلوا علما جديدا، ولا نظريات جديدة، ولا كثيرا من الآراء الجديدة.
والثاني:
أنهم حتى في كثير مما نقلوا لم ينقلوا في دقة ما كان عند اليونان، بل غيروا فيه، وحرفوا، وكثير من الأخطاء التي وقع فيها العرب علميا كان منشؤه هذا الخطأ السرياني. والحق إن العرب في هذا كانوا أكثر ابتكارا وأدق نظرا. ويكاد مؤرخو علم المسلمين من طب وجبر وهندسة وكيمياء وفلسفة يقسمون ما وصل إليه المسلمون قسمين؛ قسم أخذوه عن اليونان، وقسم ابتكروه بأنفسهم.
نقل إلى العربية في هذا العصر أهم تآليف أرسطو، وشروح الإسكندرانيين عليها، وبعض مؤلفات أفلاطون، وأهم كتب جالينوس في الطب. وعلى الجملة أهم ما وصل إليه العقل اليوناني في العلم والفلسفة، ولسنا نريد أن نفصل الكتب التي ترجموها، ولكن يمكننا هنا أن نجمل القول بأنه يمكن تقسيم الترجمة إلى أدوار ثلاثة:
الدور الأول:
من خلافة المنصور إلى آخر عهد الرشيد؛ أي من سنة 136 إلى سنة 193ه. وفي هذا الدور ترجم كليلة ودمنة من الفارسية، والسند هند من الهندية، وترجمت بعض كتب أرسططاليس في المنطق وغيره، وترجم كتاب المجسطي في الفلك. ومن أشهر المترجمين في هذا الدور ابن المقفع وقد تقدمت ترجمته، وجورجيس بن جبرائيل، ويوحنا بن ماسويه، وكلاهما كان طبيبا نصرانيا، وفي هذا الدور اتصلت المعتزلة بالكتب التي ترجمت؛ فنجد الأولين منهم (كالنظام) عرفوا أرسطو، وعرفوا بعض كتبه في الفلسفة، وتأثرت أبحاثهم بالمنطق، وتكلموا في الطفرة والجوهر والعرض، وما إلى ذلك كما سيأتي بيانه، وكان كلامهم في هذا قبل المأمون؛ مما يدل على اتصالهم بالفلسفة من أول عهد الترجمة.
الدور الثاني:
من عهد المأمون من سنة 198 إلى سنة 300ه. وأشهر المترجمين في هذا الدور يوحنا أو يحيى البطريق (مولى المأمون)، وكانت الفلسفة أغلب عليه من الطب، وترجم كثيرا من كتب أرسطو. والحجاج بن يوسف بن مطر الوراق الكوفي عاش سنة 214، وقسط ابن لوقا البعلبكي عاش سنة 220ه، وعبد المسيح بن ناعمة الحمصي عاش سنة 220، وحنين بن إسحاق توفي نحو سنة 260، وابنه إسحاق بن حنين توفي سنة 298، وعني بكتب الفلسفة عناية أبيه بالطب، وثابت بن قرة توفي سنة 288، وحبيش الأعسم بن أخت حنين، وغيرهم. وقد ترجم في هذا الدور أهم الكتب اليونانية في كل فن؛ فأعيدت ترجمة المجسطي، والحكم الذهبية لفيثاغورس، وجملة مصنفات لبقراط وجالينوس، وكتاب طيماوس لأفلاطون وكتاب السياسة المدنية لأفلاطون، وكتاب النواميس له أيضا، وكتاب المقولات لأرسطو. كل ذلك على يد حنين بن إسحاق ومدرسته، وترجمت أغلب كتب أرسطو على يد إسحاق بن حنين.