Crassus
إلى أوروديس
Orodes
الملك البرثي
2
كان يطالع مأساة من روايات يوريبيدس
Euripides . وظلت هذه الثقافة تنمو وتأتي ثمرها، حتى بعد أن انسحب الجيش اليوناني من هذه الأقطار، واشتهرت في الشرق قبل الإسلام إلى ما بعده مدن كثيرة كانت منبعا للثقافة اليونانية؛ من أشهرها جنديسابور، وحران، والإسكندرية.
فجنديسابور:
مدينة في خوزستان أسسها سابور الأول وإليه تنسب، واتخذها موطنا لأسرى الروم. ولعل هذا من الأسباب التي جعلتها فيما بعد منبعا للثقافة اليونانية، وأسس فيها كسرى أنوشروان مدرسة الطب المشهورة. وكانت تعلم فيها العلوم اليونانية باللغة الآرامية، وقد فتحها المسلمون فيما فتحوا من بلاد الفرس، وظلت المدرسة قائمة إلى العصر العباسي، ولم يبق من البلد في عهد ياقوت إلا أطلالها، وقد زالت هذه الأطلال، ولم يبق منها الآن أثر. وموقعها اليوم. أطلال «شاه أباد»
3
كان الذي أنشأه كسرى في جنديسابور بيمارستانا يعالج فيه المرضى، ويدرس فيه الطب وما إليه. يحكي القفطي: أن المدينة بنيت على شكل القسطنطينية، وأن أول من علم الطب بها أطباء من الروم: «ولما أقاموا بها بدءوا يعلمون أحداثا من أهلها، ولم يزل أمرهم يقوى في العلم، ويتزايدون فيه، ويرتبون قوانين العلاج على مقتضى أمزجة بلدانهم، حتى «برزوا في الفضائل».
4
وفي سنة عشرين من ملك كسرى، اجتمع أطباء جنديسابور بأمر الملك، وجرى بينهم مسائل وأجوبتها، وأثبتت عنهم، وكان أمرا مشهورا، وهذه المسائل والتعريفات إذا تأملها القارئ استدل على فضلهم، وغزارة علمهم.»
5
وكان أطباء جنديسابور يعتقدون أنهم أهل هذا العلم، ولا يخرجونه عنهم، وعن أولادهم وجنسهم. وقد رووا أن الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب تعلم قبيل الإسلام في مدرسة جنديسابور، وعالج بفارس، وطبب بعض أجلاء الفرس، فأعطاه مالا وجارية، سماها الحارث سمية، وهي أم زياد بن أبيه. ومات الحارث في أول الإسلام ولم يصح إسلامه.
6
وقد كانت تدرس في مدرسة جنديسابور الثقافة الهندية بجانب الثقافة اليونانية، وكان يشترك بعض الهنود في التدريس باللغة الفهلوية.
وظلت مدرسة جنديسابور تؤدي عملها في الإسلام كما كان في عهد الفرس، وازداد اتصالها بالمسلمين في العهد العباسي، فإن أبا جعفر المنصور عندما بنى بغداد أصيب بمرض في معدته، لم يستطع أطباؤه معالجته، فدلوه على جورجيس بن بختيشوع رئيس أطباء جنديسابور.
7
ومن ذلك الحين اتصلت قصور الخلفاء بمدرسة جنديسابور، حتى إن الرشيد أمر جبريل بن بختيشوع أن يعمل ببغداد بيمارستانا على نمط بيمارستان جنديسابور، وتقلد رياسته أطباء جنديسابور وتلاميذهم.
8
وقد اشتهر من مدرسة جنديسابور في العصر العباسي جورجيس بن بختيشوع طبيب المنصور، وابنه بختيشوع طبيب الرشيد، وجبريل بن بختيشوع طبيب المأمون ... إلخ، وكانوا كلهم نصارى نساطرة.
حران:
وأما حران فمدينة في الجزيرة شمالي العراق، تقع بين الرها (أودسا) ورأس العين. وهي مدينة قديمة، عاصرت اليونان والرومان، والنصرانية والإسلام، وفي عهد الإسكندر سكن كثير من المقدونيين هذا الجزء الشمالي للعراق، وكان من أثر ذلك في حران أن الآلهة المعبودة عند الحرانيين اتخذت أسماء يونانية. وفي أول عهد النصرانيين كان شمالي العراق (ومنه حران) يسكنه أهله الأصليون، وهم السريانيون، وكثير من المقدونيين والإغريقيين والأرمن والعرب. ولما قويت النصرانية، وأصبحت دين الرومانيين الرسمي حاولوا أن يضغطوا على الحرانيين ليتنصروا فلم ينجحوا. ومن أجل ذلك كان رجال الكنيسة يطلقون على حران مدينة الوثنيين، «هيلينوبوليس»
Hellenopolis ،
9
وظلت حران (مدينة الوثنيين) يهرب إليها الذين لم يشاءوا أن يدخلوا في النصرانية من اليونانيين وغيرهم، ويظهر أن دينهم كان مزيجا من الديانة البابلية، واليونانية القديمة، والأفلاطونية الحديثة، حتى كان شأنهم كذلك في العصر الإسلامي، إلى عهد المأمون، فتسموا - إذ ذاك - بالصابئة؛ احتماء بما يفهم من القرآن الكريم من عد الصابئين من أهل الكتاب، ولم يكن ذلك الاسم يطلق عليهم من قبل، إنما كان يطلق على قوم لهم ديانة مزيج من اليهودية والنصرانية، كانوا يسكنون «البطيحة» كما ذكر القفطي (وهي أرض واسعة بين واسط والبصرة).