تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا مقبل على الرسلاء

بل تراها وأنت مستدبر الظهر

بقلب مصور من ذكاء

ما رأينا سواك قرنا يولي

وهو يردي فوارس الهيجاء

رب قوم رأوك ريعوا فقالو

هل تكون العيون في الأقفاء؟!

تقرأ الدست ظاهرا فتؤد

به جميعا كأحفظ القراء! •••

وأخيرا كان للهند عادات وتقاليد، وشعائر ونظم وشرائع، فإماتة الحيوان في الأصل محظورة عليهم (قالوا) ولكن الناس نبذوا كل أمر ونهي وراء ظهورهم. ونفذ هذه الأوامر البراهمة لاختصاصهم بالدين، ومنع الدين إياهم عن اتباع الشهوات.

60

وربما كانت هذه التعاليم هي التي أثرت في أبي العلاء، فحرم على نفسه اللحم وكره ذبح الحيوان، وكان لهم شرائع في الزواج والعدة وأحكام الجنين والنفاس، وشرائع في المرافعات وطرق القضاء، ونظام في العقوبات والكفارات، وأحكام في الميراث، وعادات في أيام الأعياد، ومقام في طبقات الناس وتحديد العلاقات بينهم.

61

كل هذه الفلسفة الدينية، والتعاليم الرياضية، والقصص والحكم الأدبية، والشعائر والتقاليد الاجتماعية ذابت في المملكة الإسلامية، وكانت عنصرا هاما من عناصر الآداب العربية.

الفصل التاسع

| الثقافه اليونانية الرومانية

إذا نحن وصلنا إلى اليونان، فقد وضعنا أيدينا على كنز لا يفنى، وثروة لا تقدر، وغنى عظيم في كل ما ينتجه العقل والعاطفة والذوق؛ في الفلسفة، والرياضة، والفلك، في علوم الطبيعة والحياة والطب، في الأدب، في التاريخ، في السياسة، في الفنون الجميلة. لقد نفخوا في كل ذلك من روحهم، وغذوا العقول بآرائهم، وأمدوا العالم بأفكارهم وآدابهم، وعلمهم وأساطيرهم، وربوا الذوق بفنهم، ونحتهم وتصويرهم.

فأقليدس ظل إماما في الهندسة من القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن التاسع عشر الميلادي. والطب ظل قائما في العصور القديمة والقرون الوسطى على أساس ما دون بقراط وجالينوس. والفلاسفة إلى اليوم عيال على تعاليم سقراط وأفلاطون، وسياسة أرسطو، ومن إليهم من فلاسفة اليونان، وجمهورية أفلاطون وأرسطو منبع لما جد من نظريات في السياسة، وهكذا في كل فرع من فروع العلم والفلسفة والفن، فلسفة المسلمين أسست على فلسفتهم، والمدينة الحديثة بما فيها من علم وأدب نهضت على أكتافهم، وأول شرارة للنهضة الأوروبية الحديثة إنما انبعثت من كتبهم، تمتاز علومهم وفلسفتهم بميزة يكاد مؤرخو الفلسفة يجمعون عليها وهي أن اليونان كانوا يبحثون وراء الحق للحق، على حين أن كثيرا من الأمم كانت تتفلسف لما يتبع الفلسفة من فوائد مادية، أو لتأييد قضايا دينية، ومن ثم لم يشاءوا أن يعدوا الآراء الهندية أو المصرية أو الصينية الآشورية والبابلية فلسفة؛ لأنهم شرطوا في الفلسفة البحث وراء الحقيقة المجردة في حرية تامة، وسمو عن المادة، ولا عدوا الرومانيين أمثال «ماركوس أوريليوس» و«سنيكا» و«شيشيرون» فلاسفة؛ لأنهم لم يقدموا للعالم آراء فلسفية جديدة، تزيد في ثروة الفلسفة اليونانية.

وليس من غرضنا أن نلم بما وصل إليه اليونان في بحثهم في كل فرع من فروع العلم والفلسفة والفن؛ فذلك ما لا يحتمله فصل في كتاب.

1

وإنما غرضنا أن نعرض لبيان ما اقتبس المسلمون من الثقافة اليونانية الرومانية، ونبحث في إيجاز عن أي طريق وصلت هذه الثقافة للمسلمين.

كانت فتوح الإسكندر المقدوني لكثير من بلاد آسيا وأفريقيا سببا كبيرا من أسباب انتشار الثقافة اليونانية في الشرق؛ فقد كانت مملكته بلاد اليونان ومقدونية في أوروبا، ومصر وليبيا في أفريقيا، وسوريا وفلسطين والعراق وما إليه، وبلاد الفرس، وتركستان وأفغانستان وبلوخستان، وقسما من بلاد الهند في آسيا. وكان من سياسته التقريب بين هذه البلاد المفتوحة وبلاد الإغريق، ومزج الجنس الإغريقي بأجناس آسيا وأفريقيا في الحضارة والعمارة، ونظم الحكم والثقافة، ولهذا كان يحث اليونانيين على سكنى هذه البلاد، ومخالطة أهلها، وينظم مدنها تنظيما يونانيا، ويشجع الأدباء والكتاب والعلماء على نشر أدبهم وعلمهم؛ فكان من ذلك ومن الولاة اليونانيين الذين ورثوا الحكم من الإسكندر في الممالك الشرقية أن انتشرت الحضارة اليونانية والثقافة اليونانية من عهد الإسكندر. وكانت البلاد التي بين دجلة والفرات تغلب عليها الثقافة الإغريقية، حتى ليروون أنه لما وصل موت كراسوس

ضحى الإسلام · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٩٦