قرأت في كتاب من كتب الهند: «شر المال ما لا ينفق منه، وشر الإخوان الخاذل، وشر السلطان من خافه البريء، وشر البلاد ما ليس فيه خصب ولا أمن.»
53
وفي كتاب للهند: «ثلاثة أشياء لا تنال إلا بارتفاع همة وعظيم خطر؛ عمل السلطان، وتجارة البحر، ومناجزة العدو.» وفيه أيضا: «ذو الهمة إن حط فنفسه تأبى إلا علوا؛ كالشعلة من النار يصوبها صاحبها، وتأبى إلا ارتفاعا.»
54
وقرأت في كتاب للهند: «ليس من خلة يمدح بها الغني إلا ذم بها الفقير. فإن كان شجاعا قيل أهوج، وإن كان وقورا قيل بليد، وإن كان لسنا قيل مهذار، وإن كان زميتا قيل عيي!
55
وفي كتاب للهند: «العالم إذا اغترب فما معه من علمه كاف، كالأسد معه قوته التي يعيش بها حيث توجه.»
56 ... إلخ الخ.
وعقد صاحب كتاب «سراج الملوك» فصلا من حكم «شاناق» الهندي، يتضمن نصحا للملوك والولاة بالعدل في الرعية، مع ضرب الأمثال، وقال: إن هذا الفصل مأخوذ من كتاب لشاناق اسمه «منتخل الجواهر».
57
وبكل هذا تأثر الأدب العربي، والشعر العربي. جاء في كتاب للهند: «لا ينبغي اللجاج في إسقاط ذي الهمة والرأي وإذالته؛
58
فإنه إما شرس الطبع كالحية إن وطئت فلم تلسع لم يغتر بها فيعاد لوطئها. وإما سجح الطبع كالصندل البارد إن أفرط في حكه عاد حارا مؤذيا.» تأثر بذلك أبو نواس فقال:
قل لزهير إذا حدا وشدا
أقلل وأكثر فأنت مهذار
سخنت من شدة البرودة حتى
صرت عندي كأنك النار
لا يعجب السامعون من صفتي
كذلك الثلج بارد حار
قال ابن قتيبة: «وهذا الشعر يدل على نظرة في علم الطبائع؛ لأن الهند تزعم أن الشيء إذا أفرط في البرد عاد حارا مؤذيا.»
حتى لقد تأثر الشعراء بأقوال الهنود في الفلك، قال أبو نواس في الخمر:
تخيرت والنجوم وقف
لم يتمكن بها المدار «يريد أن الخمر تخيرت حين خلق الله الفلك، وأصحاب الحساب يذكرون أن الله تعالى حين خلق النجوم جعلها مجتمعة واقفة في ذلك البرج الذي ابتدأها منه، وإذا عادت إليه قامت القيامة وبطل العالم، والهند تقول: إنه في زمان نوح اجتمعت في الحوت إلا يسيرا منها، فهلك الخلق بالطوفان، وبقي منهم بقدر ما بقي منها خارجا عن الحوت.»
59
ولسنا ننسى أن الهنود كما ذهب كثير من الباحثين هم واضعو الشطرنج، وعنهم انتشر في العالم، ومنهم أخذه المسلمون، وإن اختلفوا هل أخذوه من الهند مباشرة أو بواسطة الفرس. وللهند في الشطرنج أشكال من اللعب مختلفة حكاها البيروني في كتابه «الهند»، وهي تخالف من بعض الوجوه ما هو معروف عندنا اليوم.
انتشرت هذه اللعبة عند المسلمين، وقد أهدى هارون الرشيد شطرنجا إلى «شارلمان»، واشتهر قوم بلعبه حتى نسبوا إليه؛ مثل: الصولي الشطرنجي، وأبي حفص الشطرنجي. وتكون حوله أدب فارسي وأدب عربي، فالفردوسي نظم فيه صفحات في لغة شعرية جميلة، والعرب نظموا فيه الشعر الكثير الجميل، كالذي قال ابن الرومي في أبي القاسم التوزي الشطرنجي:
تهزم الجمع أوحديا وتلوي
بالصناديد أيما إلواء
وتحط الرخاخ بعد الفرازين
فتزداد شدة استعلاء
ربما هالني وحير عقلي
أخذك اللاعبين بالبأساء
ورضاهم هناك بالنصف والربع
وأدنى رضاك في الإرباء!
واحتراس الدهاة منك وإعصا
فك بالأقوياء والضعفاء
عن تدابيرك اللطاف اللواتي
هن أخفى من مستسر الهباء
بل من السر في ضمير محب
أدبته عقوبة الإفشاء
فأخال الذي تدير على القو
م حروبا دوائر الأرحاء
وأظن افتراسك القرن فالقر
ن منايا وشيكة الإرداء
وأرى أن رقعة الأدم الأحمر
أرضا جللتها بدماء
غلط الناس؛ لست تلعب بالشطرنج
لكن بأنفس اللعباء
لك مكر يدب في القوم أخفى
من دبيب الفناء في الأعضاء
أو دبيب الملال في مستها
مين إلى غاية من البغضاء!
أو مسير القضاء في ظلم الغيب
إلى من يريده بالتواء
تقتل الشاه حيث شئت من
الرقعة طبا بالقتلة النكراء
غير ما ناظر بعينيك في الدست