47
إذن كان مع هؤلاء الأطباء الهنود صحف في موضوعات غير موضوعاتهم الطبية، وكان العلماء يخالطونهم، ويسألونهم في شتى المسائل، وكان هناك تراجمة يترجمون من الهندية إلى العربية، وكان هناك شوق لتعلم الناس ما عند كل أمة ليقارنوا بينها، ويأخذوا أحسنها، وقد نقلت إليهم هذه الجملة الهندية في البلاغة، فرأيناها تصاغ فيما بعد في كتب البلاغة العربية، بما سموه «مقتضى الحال».
وقارن التنو خي
48
بين بلاغة الهند وبلاغة العرب، بأن الأولى مطنبة مسهبة، والثانية مختصرة موجزة؛ إذ ذكر أن خارجيا خرج على بعض ملوك الهند فخرج إليه الملك بنفسه، فقتله الخارجي، وملك داره ومملكته، فأحسن السيرة وسلك سبيل الملوك، فلما طال أمره، وعز ذكره وقوي سلطانه جمع بعض عقلائهم وحكمائهم وسألهم: هل ترون في عيبا وفي سلطاني نقصا؟ قالوا: لا إلا شيئا واحدا إن أمنتنا قلناه. قال: أنتم آمنون. قالوا: نرى كل شيء لك جديدا (يعرضون أنه لا عرق له في الملك). قال: فما حال ملككم الذي كان من قبل؟ قالوا: كان ابن ملك. قال: فأبوه؟ قالوا: ابن ملك. قال: فأبوه؟ إلى أن عدد عشرة أو أكثر، وهم يقولون ابن ملك. فانتهى إلى الأخير، فقالوا: كان متغلبا. قال: فأنا ذلك الملك الأخير، وإن طالت أيامي كان الملك بعدي في ولدي. قال التنوخي: هذا شيء قد سبقت إليه العرب في كلمتين استغني بهما عن المثل الطويل العجمي؛ فقد روت العرب أن رجلين منهما تفاخرا، فقال أحدهما لصاحبه: نسبي مني ابتدأ، ونسبك إليك انتهى.» (2)
القصص الهندي: وقد أولع العرب به؛ فقد علمنا قبل أن أصل «كليلة ودمنة» هندي، نقل إلى الفارسية، ثم نقل من الفارسية إلى العربية، مع زيادات على الأصل الهندي.
وقصة السندباد كما يدل اسمها هندية الأصل، نقلت إلى العربية. قال ابن النديم: «وكتاب سندباد نسختان كبيرة وصغيرة ، والخلف فيه مثل الخلف في كليلة ودمنة، والغالب والأقرب إلى الحق أن يكون الهند صنفته.»
49
وقد عدد في الفهرست كتبا كثيرة للهند في الخرافات والأسمار والأحاديث؛ منها كليلة ودمنة، والسندباد الكبير، والسندباد الصغير، وكتاب هابل في الحكمة، وكتاب حدود منطق الهند، وكتاب ملك الهند القتال والسباح، وكتاب شاناق في التدبير، وكتاب بيدبا في الحكمة.
50
كما أن في كتاب ألف ليلة وليلة قصصا دل البحث العلمي على أن أصلها هندي؛ هذا إلى قصص صغيرة نثرت في الكتب العربية مما نقل عن الهند، كالذي قال الجهشياري: «ومما أستحسنه من شدة التحرز ما حكي في كتاب من كتب الهند أنه أهدي إلى بعض ملوكهم حلي وكسوة، وبحضرته امرأتان من نسائه، ووزير من وزرائه، فخير إحدى امرأتيه بين اللباس والحلية، فنظرت المرأة إلى الوزير كالمشيرة له، فغمزها بإحدى عينيه على أخذ الكسوة. ولحظه الملك؛ فعدلت عما أشار به من الكسوة واختارت الحلي لئلا يفطن الملك للغمزة، ومكث الوزير أربعين سنة كاسرا عينه ليظن الملكأنها عادة وخلقة.»
51
وفي كتاب للهند «أن ناسكا كان له عسل وسمن في جرة، ففكر يوما فقال: أبيع الجرة بعشرة دراهم، وأشتري خمسة أعنز فأولدهن في كل سنة مرتين، ويبلغ النتاج في سنين مائتين، وأبتاع بكل أربع بقرة، إلى آخر القصة المشهورة.
52 (3)
أما النوع الذي أخذوا منه عن الهنود كثيرا، فهو الحكم، وهو نوع يتفق والذوق العربي؛ فهو أشبه شيء بالأمثال العربية، والجمل القصيرة ذوات المعاني الغزيرة التي أولع بها العرب. وهي نتيجة تجارب كثيرة، تركز في جملة بليغة، والعقل يميل إليها قبل أن يميل إلى مثل الفلسفة اليونانية المنظمة بأبواب وفصول وموضوعات، فالبحث العميق المفصل المتسلسل، لا يصل إليه العقل إلا بعد أن يمر بطور يعجب فيه بالنظرات المنثورة، والحكم المأثورة.
وقد اشتهر الهند بهذا، وملئت كتب الأدب المؤلفة في هذا العصر بهذا النوع، يقول ابن قتيبة: