40
وقد أخذ العرب بعض الاصطلاحات الرياضية من الهنود؛ كلفظة «الجيب» في حساب المثلثات.
41
كما اقتبسوا كثيرا من نظريات الهند في الحساب والهندسة، مما ليس من موضوعنا الأدبي.
42
كذلك كان في بغداد أطباء هنود، يمثلون الطب الهندي بجانب الطب اليوناني، اشتهر منهم في عهد الرشيد «صالح بن بهلة الهندي»، قال جعفر بن يحيى البرمكي لهارون الرشيد وقد مرض ابن عمه إبراهيم بن صالح، فرآه جبريل بن بختيشوع، وأخبر الرشيد بأنه لا أمل في شفائه، وسيموت في المساء: «يا أمير المؤمنين جبريل طبه رومي، وصالح بن بهلة الهندي في العلم بطريقة أهل الهند في الطب مثل جبريل في العلم بمقالات الرومي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإحضاره، ويوجهه إلى إبراهيم بن صالح ليفهمنا عنه فعل.
43
ويقول الجاحظ: إن يحيى بن خالد جلب أطباء من الهند، مثل «منكه»، و«بازيكر»، و«قنيرقل»، و«سندباد».
44
الأدب وما إليه
كان عند الهنود نحو وصرف، وقالوا في أولية النحو إن أحد ملوكهم كان يوما في حوض مع نسائه، فقال لإحداهن: «ماود كندهي.» أي لا ترشي علي الماء، فظنت أنه يقول «مود كندي هي» أي احملي حلوى، فذهبت فأقبلت بها، فأنكر الملك فعلها فخاشنته في الخطاب، فاستوحش الملك لذلك، وامتنع عن الطعام كعادتهم، واحتجب إلى أن جاءه أحد علمائهم وسلى عنه بأن وعده تعليم النحو والصرف، وذهب إلى «مهاديو» مصليا مسبحا وصائما، متضرعا إلى أن ظهر له، وأعطاه قوانين يسيرة، كما وضعها في العربية أبو الأسود الدؤلي، ووعده التأييد فيما بعدها من الفروع، فرجع العالم إلى الملك وعلمه إياها، وذلك مبدأ هذا العلم.
45
وأنا أخشى أن تكون حكاية أبي الأسود قد وضعت في العربية على نمط الحكاية الهندية، ولعل مما يرجح هذا الظن أن الحكاية العربية مختلفة الأشكال، متعددة الرواية، فمن قائل إن علي بن أبي طالب هو الذي أوعز إلى أبي الأسود بوضع النحو، ومن قائل إنه عمر بن الخطاب، ومن قائل إنه زياد ابن أبيه. ثم من قائل إن سبب الوضع، أن قارئا قرأ «لا يأكله إلا الخاطئين»، ومن قائل إن قارئا قرأ: «إن الله بريء من المشركين ورسوله »، ومن قائل إن ابنة أبي الأسود قالت: «ما أحسن السماء» تريد التعجب، فقال لها: نجومها؟ يظنها تستفهم، فقالت: يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك! فقال لها: إذن فقولي «ما أحسن السماء!»، إلى آخر ما قالوا مما يحمل على الشك في القصة، ثم هناك شبه بين ذهاب العالم الهندي إلى «مهاديو» مصليا مسبحا، وبين ذهاب أبي الأسود إلى علي بن أبي طالب يسأله المعونة في وضع النحو، وهكذا.
وكان للهنود شعر وولع بالشعر والنظم، حتى شكا «البيروني» من نظمهم لقواعد الرياضة والفلك؛ لأن ذلك يخرجهم أحيانا عن ضبط القواعد، وما يستلزمه من دقة في تعبير لا يتسنى في النظم. ووضعوا للشعر بحورا وأوزانا عكف البيروني على دراستها، وبينها في كتابه، ثم قال: «ومن الممكن أن يكون الخليل بن أحمد سمع للهند موازين في الأشعار، كما ظن به بعض الناس.»
46
وأهم ما استفاد الأدب العربي من الهند أمور ثلاثة: (1)
ألفاظ هندية عربت، وقد كان ذلك أيام كان العرب يتاجرون مع الهند، وينقلون سلعا هندية، ويحملون مع هذه السلع أسماءها، وقد حكى السيوطي ألفاظا هندية عربت، ووردت في القرآن الكريم؛ مثل: زنجبيل وكافور. ومما ورد في اللغة العربية من الألفاظ الهندية الأبنوس والببغاء والخيزران والفلفل والأهليلج، وغير ذلك من أسماء النباتات والحيوانات الهندية.
ويضاف إلى ذلك آراء في الأدب والبلاغة نقلت إلينا عنهم، وقد كان من أتى بغداد من أطباء الهند وغيرهم يحملون معهم كتبا وصحفا في مواضيع شتى منها الأدب. حكى الجاحظ أن معمرا أبا الأشعث قال: قلت لبهلة الهندي أيام اجتلب يحيى بن خالد أطباء الهند: ما البلاغة عند أهل الهند؟ قال بهلة: عندنا في ذلك صحيفة مكتوبة لا أحسن ترجمتها لك، ولم أعالج هذه الصناعة فأثق من نفسي بالقيام بخصائصها، وتلخيص لطائف معانيها. قال أبو الأشعث فلقيت بتلك الصحيفة التراجمة، فإذا فيها: «أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة، وذلك أن يكون الخطيب رابط الجاش، ساكن الجوارح، قليل اللحظ، متخير اللفظ، لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السوقة. ويكون في قواه فضل للتصرف في كل طبقة، ولا يدقق المعاني كل التدقيق، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح، ولا يصفيها كل التصفية، ولا يهذبها غاية التهذيب، ولا يفعل ذلك حتى يصادف حكيماأو فيلسوفا عظيما.»