31
وقد عرف هذا المذهب بين المسلمين في العصر الذي نؤرخه، فيحكي لنا الأغاني: «أنه كان بالبصرة ستة من أصحاب الكلام؛ عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وبشار الأعمى، وصالح بن عبد القدوس، وعبد الكريم بن أبي العوجاء، ورجل من الأزد (قال أبو أحمد عين جرير بن حازم) فكانوا يجتمعون في منزل الأزدي، ويختصمون عنده، فأما عمرو وواصل فصارا إلى الاعتزال، وأما عبد الكريم وصالح فصححا التوبة، وأما بشار فبقي متحيرا مخلطا، وأما الأزدي فمال إلى قول السمنية؛ وهو مذهب من مذاهب الهند، وبقي ظاهره على ما كان عليه.»
32
وقد عرف علماء المسلمين السمنية، وناقشوهم طويلا في كتب التوحيد أو علم الكلام، وأكثر مناقشتهم كانت حول «نظرية المعرفة»، فيؤخذ من حكاية قول السمنية أنهم كانوا يقولون: إن العلم أو المعرفة لا تحصل إلا من باب الحواس، فكل علم ليس أساسه الحس لا يكون علما صحيحا، أما النظر المجرد، غير المؤسس على الحس فلا يفيد علما، سواء كان ذلك في الإلهيات أو غيرها.
33
وقد لخص صاحب كشاف مصطلحات الفنون مذهبهم في هذا بقوله: «إنهم يقولون بأنه لا يفيد العلم إلا الحس»، فكأنهم بذلك سبقوا «لوك» ومن تبعه؛ إذ يقولون إن أداة المعرفة الصحيحة هو الإدراك بالحس، وكل الأفكار الراقية الجليلة التي تفوق السحاب رفعة، وتعلو علو السماء، إنما أصلها الحواس، يسبح العقل مسافات بعيدة ويفكر، ويتأمل تأملات رفيعة، وهو في كل هذا لا يخرج قيد شعرة عما أمدته به الحواس أو التأمل. وهم يعارضون في ذلك نظرية الذهنيين أو العقليين، الذين يرون أن بعض المدركات ليس سببها الحواس، وإنما سببها الإدراك العقلي المحض كما في الرياضيات والإلهيات. •••
أما في الرياضيات؛ فقد اتصل المسلمون بالهند، وأخذوا عنهم قبل أن يتصلوا اتصالا وثيقا باليونان؛ فقد ذكروا «أن وفدا من الهند وفد على أبي جعفر المنصور سنة 154 وفيهم رجل ماهر في معرفة حركات الكواكب وحسابها، وسائر أعمال الفلك على مذهب علماء أمته، وخصوصا على مذهب كتاب باللغة السنسكريتية اسمه «براهمسبهطسدهانت»، ألفه سنة 628م (أو 6 و7 هجرية) الفلكي الرياضي «برهمكبت»، فكلف المنصور ذلك الهندي بإملاء مختصر الكتاب ، ثم أمر بترجمته إلى اللغة العربية، وباستخراج كتاب منه تتخذه العرب أصلا في حساب حركات الكواكب. وما يتعلق به من الأعمال، فتولى ذلك الفزاري، وعمل منه مزيجا اشتهر بين علماء العرب، حتى إنهم لم يعملوا إلا به إلى أيام المأمون؛ حيث ابتدأ مذهب «بطليموس في الحساب والجداول الفلكية».
34
وقد اقتصر العرب على الجزء الأخير من الاسم السابق، وهو «سدهات»، ثم حرفوه قليلا وسموه «السند هند».
35
وقد أخذ عن هذا الرجل الهندي الذي وفد على المنصور إبراهيم بن حبيب الفزاري، ويعقوب بن طارق.
36
وكما أخذ المسلمون عن الهند كتاب السند هند، ترجموا كتابا ثانيا اسمه «الأركند»، وثالثا اسمه «الأرجبهر».
37
وقد قال الأستاذ «نيللنو» بعد بحثه العميق: «كفت هذه الملاحظات دليلا على شدة تأثير كتب الهند في أوائل نمو الفلك عند العرب. وسنرى فيما بعد أن العرب أخذوا طرقا مهمة كثيرة النفع مجهولة لليونان في حل جملة من المسائل الفلكية المتعلقة بعلم حساب المثلثات الكروية.»
38
وقال في موضع آخر: «فاتضح مما بينته أن تأثير علماء الهند والفرس في نشأة ميل العرب إلى ذلك العلم الجليل، سبق تأثير اليونان ولو بزمان قليل، ولكن لم تنل العرب ما نالوا من التقانة والكمال والشهرة في ذلك الفن لو قصروا عنايتهم على نقل الكتب الموصوفة إلى الآن لأنها مصنفات عملية مقتصرة على منطوق القواعد، وشرح استعمال الجداول، خالية عن البراهين وبيان العلل.»
39
ويؤيد هذا النظر ما قاله البيروني من قبل، فإنه رأى أن فلكي الهنود لا يبحثون في العلل، وكان على علم تام بالفلك عند اليونان قبل أن يأخذ عن الهنود، فقال: «إني كنت أقف عن منجميهم (منجمي الهند) مقام التلميذ من الأستاذ لعجمتي فيما بينهم، وقصوري عما هم فيه من مواضعاتهم، فلما اهتديت قليلا لها أخذت أوقفهم على العلل، وأشير إلى شيء من البراهين، وألوح لهم الطرق الحقيقية في الحسابات، فانثالوا علي متعجبين وعلى الاستفادة متهافتين، وكادوا ينسبونني إلى السحر.»