25
وقد لعبت نظرية التناسخ دورا هاما في الفلسفة اليونانية، وفي الديانة المانوية، وفي المذاهب الإسلامية، وفي التصوف، وفي النصرانية.
فقد قال فيثاغورس بنظرية التناسخ، ويرجع كثيرون من مؤرخي الفلسفة اليونانية أنها مأخوذة في الأصل من الفلسفة الهندية، ثم أخذها عن فيثاغورس إمبدكليس، وأفلاطون. وقد كان فيثاغورس يرى تناسخ الأرواح بين الإنسان والحيوان، وأن تحرير النفس بترقيها في دورة الحياة، وذلك بالشعائر الدينية، وبالفكر والتأمل والفلسفة. وأفلاطون ربط رأيه في عالم المثل، ونظريته في تذكر المعلومات قبل حلول الروح بالجسم بنظرية التناسخ، وإن اختلفت نظريته في التفاصيل عما حكاه بوذا، من تذكره أشياء كثيرة، حدثت له في مواليده الأولى، وقد نقض أرسطو رأي فيثاغورس وأفلاطون في التناسخ، وخاصة في حلول روح إنسان في جسم حيوان، وذهب إلى أن ما كان وظيفة لشيء لا يمكن أن يكون وظيفة لآخر ... إلخ.
وقد حكى «البيروني» أن «ماني» نفي من بلاد فارس فدخل أرض الهند، ونقل التناسخ منهم إلى نحلته، وقال: إن الحواريين لما علموا أن النفوس لا تموت، وأنها مترددة في صور مختلفة، سألوا المسيح عن عاقبة النفوس التي لم تقبل الحق؛ فقال: أي نفس لم تقبل الحق هالكة لا راحة لها، وعنى بهلاكها عذابها لا تلاشيها.»
26
أما في الإسلام؛ فكان أثر التناسخ في بعض الفرق الدينية كبيرا، فقد قال أحمد بن حائط (وقد كان من المعتزلة، ثم تبرءوا منه) وأبو مسلم الخراساني، والقرامطة، ومحمد بن زكريا الرازي: إن الأرواح تنتقل بعد مفارقتها الأجساد إلى أجساد أخرى، وإن لم تكن من نوع الأجساد التي فارقت، واحتج أحمد بن حائط بقوله تعالى:
يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك
وبقوله تعالى
جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه .
27
وقد أوضح الشهرستاني قول أحمد بن حائط في التناسخ فقال: إنه كان يقول: إن الله أبدع خلقه أصحاء سالمين عقلاء بالغين في دار سوى هذه الدار التي هم فيها اليوم، وخلق فيهم معرفته والعلم به، وأسبغ عليهم نعمه، فابتدأهم بتكلف شكره، فأطاعه بعضهم في جميع ما أمرهم به، وعصاه بعضهم في جميع ذلك، وأطاعه بعضهم في البعض دون البعض، فمن أطاعه في الكل أقره في دار النعيم التي ابتدأهم فيها، ومن عصاه في الكل أخرجه من تلك الدار إلى دار العذاب وهي النار، ومن أطاعه في البعض وعصاه في البعض أخرجه إلى دار الدنيا، فألبسه هذه الأجسام الكثيفة، وابتلاه بالبأساء والضراء على صور مختلفة من صور الناس، وسائر الحيوانات على قدر ذنوبهم، ثم ما يزال يكون الحيوان في الدنيا كرة بعد كرة وصورة بعد أخرى، ما دامت معه ذنوبه.»
28
وقبل هؤلاء كان السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، فقد رووا عنه أنه قال لعلي: أنت أنت! أي أنت الإله. وتبعته فرقته فقالت بتناسخ الجزء الإلهي في الأئمة بعد علي،
29
وبمثل ذلك قال الغالية من الشيعة.
30
وبعد هؤلاء كان النصيرية يعتقدون أن مرتكبي الآثام يعودون إلى الدنيا يهودا أو نصارى، أو مسلمين سنيين، أما من لم يؤمن بعلي فيعودون جمالا أو بغالا أو حميرا، أو كلابا أو نحو ذلك من أصناف الحيوان، وبمثل ذلك يقول عوام الدروز.
وفي بعض قصص ألف ليلة وليلة ما يشير إلى مذهب التناسخ.
وقد رأيت قبل أن نظرية التناسخ تسلم إلى مذهب الحلول، فيتحد العقل والعاقل والمعقول، وتصير كلها شيئا واحدا. وهذا النظر كان له أثر كبير في مذهب الصوفية، كما سنشرحه إن شاء الله عند الكلام في التصوف.
ومن مذاهب الهند القائلة بالتناسخ مذهب يسمى «السمنية» نسبة إلى «سومنات»، وهو اسم صنم كان في الهند أحرقه السلطان محمود بن سبكتكين سنة 1416، كما ذكر الجزري في تاريخه، وقد ذكر البيروني أنها فرقة شديدة البغض للبراهمة، وقد كانت خراسان وفارس والعراق والموصل إلى حدود الشام في القدم على دينهم، إلى أن ظهر زرادشت من أذربيجان، ودعا ببلخ إلى المجوسية، وراجت دعوته فانجلت السمنية عنها إلى مشارق بلخ.