وصف الهنود بالإعجاب بأنفسهم، والاعتداد بأمتهم، والازدراء بمن عداهم: «يعتقدون في الأرض أنها أرضهم، وفي الناس أنهم جنسهم، وفي الملوك أنهم رؤساؤهم، وفي الدين أنه نحلتهم، وفي العلم أنه ما معهم. وفي طبيعتهم الضن بما يعرفونه، والإفراط في الصيانة له عن غير أهله منهم، فكيف عن غيرهم! على أنهم لا يظنون أن في الأرض غير بلدانهم، وفي الناس غير سكانها، وأن للخلق غيرهم علما، حتى إنهم إذا حدثوا بعلم أو عالم في خراسان وفارس استجهلوا المخبر، ولم يصدقوه للآفة المذكورة. ولو أنهم سافروا وخالطوا غيرهم لرجعوا عن رأيهم، على أن أوائلهم لم يكونوا بهذه المثابة من الغفلة؛ فهذا «برهمن» أحد فضلائهم حين يأمر بتعظيم البراهمة يقول: إن اليونانيين (وهم أجناس) لما تخرجوا في العلوم وأنافوا فيها
21
على غيرهم وجب تعظيمهم.
22
ولما ذكر اعتقادهم في الله، فرق بين خاصتهم وعامتهم؛ لأن طباع الخاصة تقصد التحقيق في الأصول، والعامة تقف عند المحسوس، ثم شرح عقيدة الخاصة، فإذا هي توافق عقيدة المسلمين فيه، فقال: «واعتقاد الهند في الله سبحانه وتعالى أنه الواحد الأزلي من غير ابتداء وانتهاء، المختار في فعله، القادر الحكيم الحي المحيي المدبر المبقي، الفرد في ملكوته عن الأضداد والأنداد، لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء.»
23
ثم استدل على أن هذا عقيدة الخاصة من الهنود بنصوص من كتبهم القديمة، ثم وصف عقيدة العامة، وأن الأقاويل عندهم اختلفت وربما سمجت، كما يوجد مثله في سائر الملل وفي الإسلام من التشبيه والإجبار، ومثل لذلك عند الهنود بأن خاصتهم تقول: إنه يحيط بكل شيء حتى لا تخفى عليه خافية، فيظن عاميهم أن الإحاطة تكون بالبصر، والبصر بالعين، فيصف الله بألف عين عبارة عن كمال العلم.
وقد أطال البيروني في وصف الفلسفة الدينية للهند، من الاعتقاد بالله والموجودات العقلية والحسية، وتعلق النفس بالمادة، والأرواح وتناسخها، ومواضع الجزاء من الجنة والنار، وكيفية الخلاص من الدنيا، ومنبع السنن والنواميس، والرسل، ونسخ الشرائع. وقارن في كثير من المواضع بين عقائد الهند والإسلام، والصوفية والنصرانية، والفلسفة اليونانية والأفلاطونية الحديثة؛ مما يخرج بنا عن القصد لو شرحناه.
غير أن هنا مسألة هامة لا بد من الإشارة إليها؛ لأنها خاصة من خواص الهند، ولها أثر كبير في المسلمين، تلك هي مسألة «تناسخ الأرواح». وقد قال فيها البيروني بحق: «كما أن الشهادة بكلمة الإخلاص شعار إيمان المسلمين، والتثليث علامة النصرانية، والإسبات علامة اليهودية، كذلك التناسخ علم النحلة الهندية، فمن لم ينحله لم يك منها، ولم يعد من جملتها!»
24
وشرح نظريتهم في التناسخ؛ أن الأرواح لا تموت، ولا تفنى، وأنها أبدية الوجود، لا سيف يقطعها، ولا نار تحرقها، ولا ماء يغصها، ولا ريح تيبسها، ولكنها تنتقل من بدن إلى بدن، كما يستبدل البدن اللباس إذا خلق، وتترقى النفس في الأبدان المختلفة كما يترقى الإنسان من طفولة إلى شباب إلى كهولة إلى شيخوخة. ذلك أن النفس طالبة للكمال، شيقة إلى العلم بكل شيء، وهذا يحتاج إلى زمن فسيح، وعمر الإنسان وغيره قصير، فلا بد من تنقل النفس من بدن إلى بدن، وفي كل بدن تستفيد تجارب جديدة، ومعلومات جديدة، فالأرواح الباقية تتردد في الأبدان البالية، وهي تتردد من الأرذل إلى الأفضل، دون عكسه، لتترقى النفس في الكمال، حتى يتحقق شوقها بعلمها ما لم تعلم، واستيقانها شرف ذاتها، واستغناؤها عن المادة، فتعرض عنها. «ويتحد العاقل والعقل والمعقول، ويصير واحدا».
وقد ربطوا الثواب والعقاب والجنة والنار بنظرية التناسخ، فقالوا: إن الغرض من جهنم تمييز الخير من الشر، والعلم من الجهل، فالأرواح الشريرة تتردد في النبات، وخشاش الطير، ومرذول الهوام، إلى أن تستحق الثواب فتنجو من الشدة، وتتردد فيما هو أرقى. وقال بعضهم: «لو لم أكن صائرا إلى آلهة حكماء سادة أخيار، ثم من بعد إلى أناس ماتوا خير ممن هنا؛ لكان تركي الحزن على الموت ظلما!» «وقال بعض من مال إلى التناسخ من المتكلمين إنه على أربع مراتب هي: «النسخ»؛ وهو التوالد بين الناس، بأن ينسخ من شخص إلى آخر، وضد «المسخ»، ويخص الناس بأن يمسخوا قردة وخنازير وفيلة. و«الرسخ» كالنبات، وهو أشد من النسخ لأنه يرسخ، ويبقى على الأيام، ويدوم كالجبال، وضده «الفسخ»؛ وهو للنبات المقطوف ، والمذبوحات؛ لأنها تتلاشى ولا تعقب.»