تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

وقال القفطي: «إن الأمم الثماني التي عنيت بالعلوم؛ هم: الهند، والفرس، والكلدانيون، واليونانيون، والروم، وأهل مصر، والعرب، والعبرانيون. وهذه الأمم المذكورة الذين اعتنوا بالعلوم واستخراجها، وباقي الأمم لم تعن بشيء من ذلك، ولا ظهر لها شيء منه.»

18

وقال في موضع آخر: «والهند هم الأمة الأولى كثيرة العدد فخمة الممالك، قد اعترف لها بالحكمة، وأقر بالتبريز في فنون المعرفة كل الملل السالفة، وكان الصين يسمون ملك الهند ملك الحكمة لفرط عنايتهم بالعلوم، فكان الهند عند جميع الأمم معدن الحكمة وينبوع العدل والسياسة. ولبعد الهند من بلادنا قلت تآليفهم عندنا، فلم يصل إلينا إلا طرف من علومهم، ولا سمعنا إلا بالقليل من علمائهم.»

19

وكان تأثير الهند من نواح؛ أهمها الإلهيات، أو المقالات الدينية، والرياضيات أو الحساب والنجوم، والأدب وما يتبعه من فن.

الإلهيات

كان للهند فلسفة كما لليونان فلسفة، وقد بحث مؤرخو الفلسفة في مبلغ تأثير إحداهما في الأخرى، وما أخذ اليونان عن الهند، وما أخذ الهند عن اليونان مما لا مجال لبحثه هنا، ولكنا نقول إن للفلسفة الهندية أوصافا خاصة تميزها عن الفلسفة اليونانية؛ ذلك أن الفلسفة الهندية امتزجت امتزاجا تاما بالدين، واصطبغت صبغة شعرية لا صبغة علمية، لم تتدرج من المحسوس إلى المعقول، ورضت في كثير من مواقفها بالتعبير الشعري، المملوء بالمجازات والاستعارات والخيالات، ولم تنهج المنهج العلمي الذي يتطلب التعبير بالحقائق لا المجازات؛ مثال ذلك أن تقول: إن العالم كله مشتق من شيء واحد أبدي أزلي لا يقبل التغيير، يسمى «برهمن»، ثم إذا شرحت كيف تخلق هذا العالم من «برهمن» قالت: «كما تتشكل الحديدة المحماة في النار إلى آلاف من الأشكال؛ كذلك تتخلق الأشياء من الأزلي الأبدي ثم تعود إليه .» أو تقول: «كما ينبعث النسيج من العنكبوت، أو الشرر من النار؛ كذلك يخرج الحيوانات والعالم وكل شيء، من ذلك الأصل».

فأنت ترى أن هذه تشبيهات ترضي الخيال، ولا ترضي العقل. وهكذا ملئت الفلسفة الهندية بمثل هذه التعبيرات في كثير من شروحها. وقد يكون لها العذر في أنها تحاول شرح شيء من الصعب إدراكه، والتعبير عنه تعبيرا رياضيا، أو تعبيرا علميا، وأنها تنتقل من محسوس يمكن التعبير عنه إلى لامحسوس يصعب توضيحه. ولكن الفلسفة اليونانية في مثل هذه المواقف لم تسلك هذا السبيل، وحاولت جهد طاقتها أن تعبر التعبير العلمي، وإن كان في المدرسة الأفلاطونية شيء من الشعر.

كذلك مما تخالف فيه الفلسفة الهندية الفلسفة اليونانية؛ أن الأولى حددت الغرض من الفلسفة بخدمة الإنسان، بينما الفلسفة اليونانية تتطلب المعرفة للمعرفة؛ فالباعث الأساسي للفلسفة عند الهنود شوق الإنسان للخلاص من آلام هذا العالم ومصائبه. وعند اليونان الباعث الأول على الفلسفة العجب، عجب من مظاهر العالم فأراد أن يتعرفها فتفلسف. •••

انتشرت في الهند ديانة البراهمة ثم البوذية، ومن الإطالة أن نعرض لشرح هاتين الديانتين في عقائدهما وأصولهما. وقد وصف «البيروني» ديانة الهند التي رآها في القرن الرابع الهجري، وكان دقيقا صادق الوصف، عالما باللغة السنسكريتية، عاش في الهند زمنا طويلا، وخبر أحوال أهله، ووضع في ذلك كتبا أهمها: «تحقيق ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرذولة».

20

وصف فيه عقائدهم، وعلومهم وآدابهم، وأحوالهم الاجتماعية، وقد أبان البحث العلمي الحديث ما للبيروني من تحر للحق، وإخلاص للعلم، وإصابة في كل ما وصف، إلا في القليل النادر الذي أوقعه فيه اعتماده على نفسه في فهم كلمة لغوية لم يكن فيها مصيبا، وأحيانا نقله عمن أخطأ في خبره. وقرب عهد البيروني من عصرنا الذي نؤرخه يجعلنا نعتقد أن حالة الهند في عصرنا العباسي الأول تشبه تمام الشبه ما وضعه «البيروني» معتمدا على ما شاهد وسمع وقرأ في كثير من الكتب الهندية باللغة السنسكريتية.

ضحى الإسلام · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٨٩