3
فالذي يظهر لنا من هذا كله: أن العربي في الجاهلية كان يعتز بقبيلته. والمحمدة التي يفتخر بها هي التي يأتي أفراد قبيلته، فلما رهن حاجب ابن زرارة قوسه عند كسرى ووفى ابنه بالرهن! كان الذي يفتخر بذلك قبيلة تميم،
4
والذي يفتخر بالشعر أو الشجاع قبيلته، وقل أن يتجاوزوا ذلك إلى عد المكرمة، مكرمة أمة!.
فلما جاء الإسلام، تكون العرب أمة، وكانت فيها خصائص الأمة التي أشرنا إليها؛ من اتحاد لغة ودين وميول، ومن وجود حكومة على رأسها، وأعقب ذلك الانتصار على أضخم أمتين كانتا في عصرها، وهما فارس، والروم. ولكن مع هذا لم تنمح الروح القبلية، فوجدت النزعتان معا: «نزعة العربي لقبيلته، ثم بطنه، ثم فخذه»، و«نزعته للدم العربي، والأمة العربية، والجنس العربي»، وسارت النزعتان جنبا إلى جنب، في صدر الإسلام، وصرنا نسمع العربي يفتخر بقبيلته في الإسلام، كما كان في الجاهلية، وزاد في الإسلام الافتخار بالجنس العربي، كالذي يقول:
إنا من النفر الذين جيادهم
طلعت على عاد بريح صرصر
وسلبن تاجي ملك قيصر بالقنا
واجتزن باب الدرب لابن الأصفر
5
فأما النوع الأول (وهو العصبية القبلية) فالحوادث التاريخية في العصر الأموي، والقصائد الأموية كلها تفسر هذه النزعة، ولا تفهم إلا بها. ولنسق لك أمثلة للدلالة عليها: يقول رجل من بني أسد بن خزيمة يمدح يحيى بن حيان:
ألا جعل الله اليمانين كلهم،
فدى لفتى الفتيان، يحيى بن حيان
ولولا عريق في من عصبية
لقلت وألفا من معد بن عدنان
ولكن نفسي لم تطب بعشيرتي،
وطابت له نفسي بأبناء قحطان
وروى المبرد عن شيخ من الأزد ثقة، عن رجل منهم: أنه كان يطوف بالبيت وهو يدعو لأبيه. فقيل له: ألا تدعو لأمك؟! فقال: إنها تميمية
6
ودعبل يفتخر باليمن، ويعدد مناقبهم ، ويرد على الكميت افتخاره بنزار، في قصيدة تبلغ ستمائة بيت، أولها:
أفيقي من ملامك يا ظعينا
كفاني اللوم مر الأربعينا
7
وقد ذكر المسعودي طرفا من القصيدتين،
8
وعقب ذلك بقوله:
ونمى قول الكميت في النزارية، واليمانية، وافتخرت نزار على اليمن، وافتخرت اليمن على نزار، وأدلى كل فريق بما له من من المناقب، وتحزبت الناس، وثارت العصبية في البدو والحضر، وتبع ذلك أمر مروان بن محمد الجعدي، وتعصبه لقومه من نزار على اليمن، وانحراف اليمن عنه إلى الدعوة العباسية.
وكان عند كثير من ولاة العرب هذه النزعة السيئة في الحكم، وقبيلته حوله ترى أنه إذا ولي الرجل فقد وليت قبيلته، فلما ولي ابن هبيرة العراق اعتقدت فزارة أنها وليت الحكم. فلما عزل وتولى خالد بن عبد الله القسري اشرأبت أعناق قسر، وذلت فزارة. وقال الفرزدق:
لعمري لئن نابت فزارة نوبة
لمن حدث الأيام تحسبها قسر
وفي العصر العباسي، لما تولى معن بن زائدة الشيباني اليمن قتل من أهلها تعصبا لقومه من ربيعة، وغيرها من نزار، فكان عقبة بن سالم (والي عمان والبحرين) يقتل من القيسيين تعصبا لقومه من قحطان، وكيدا لمعن لما عمله في اليمن.
9
والأمثلة على ذلك كثيرة لا حصر لها، والذي يهمنا في موضوعنا هنا هو النزعة الثانية، وهي نزعة العرب ضد الموالي:
اعتنق العرب الإسلام، وسمعوا قوله تعالى:
إن الدين عند الله الإسلام
ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين
وآمنوا بأن الإسلام خير الأديان، وأن الناس حولهم في ضلال، وأنهم حماة الإسلام، وحملة الدين القويم، وأن عليهم دعوة الناس كافة، ليتخلوا عن دياناتهم السابقة، ويدخلوا فيه، وكان من بعد ذلك الجهاد، فظفروا بفارس ودكوا عرشها، وانتصروا على الروم، وهزموا جيشها، واستولوا على كثير مما في أيديها. وعلى الجملة فقد رأوا: أن سيادة العالم كانت للفرس والروم، فانتقلت فجأة إليهم! وأن هؤلاء الفرس الذين كان العرب بالأمس يخشون بأسهم أصبحوا تحت حكمهم! وهؤلاء الروم الذين كان العرب يتمنون أن يفتحوا لهم باب الشام ومصر، ليتاجروا فيها قد هزموا، وفروا أمامهم إلى عقر دارهم! كل هذا رفع من نفسية العرب. وغلا كثير منهم في ذلك فشعروا بأن الدم الذي يجري في عروقهم دم ممتاز، ليس من جنسه دم الفرس والروم وأشباههم! وتملكهم هذا الشعور بالسيادة والعظمة، فنظروا إلى غيرهم من الأمم نظرة السيد إلى المسود. وكان الحكم الأموي مؤسسا على هذا النظر! والحق: أن العرب في هذا لم يطيعوا الإسلام في تعاليمه! فالله تعالى: يقول