تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كل هذا: وحد بين الأمم المختلفة، وكون منها ما يصح أن يسمى أمة واحدة، لها أدب واحد، وثقافة واحدة، وعلم مشترك.

الفصل الثاني

| الصراع بين العرب والموالي

يظهر أن العرب في الجاهلية لم يكن لهم شعور قوي بأنهم أمة! إنما كان الشعور القوي عندهم؛ شعور الفرد بقبيلته، ذلك أننا إذا رجعنا إلى ما نرجح صحته من الشعر الجاهلي، وجدناه مملوءا بالشعور القبلي، فالعربي يمدح قبيلته، ويتغنى بانتصارها، ويعدد محاسنها، ويهجو القبيلة الأخرى من أجل قبيلته. ولكن قل أن نجد شعرا يتغنى فيه العربي بأنه عربي! ويفخر فيه على غيره من الأمم. والسبب في ذلك واضح، وهو: أن العرب في الجاهلية لم يكونوا أمة بالمعنى الصحيح. فلم يتحدوا لغة ولا دينا، وليست لهم آمال وطنية واحدة، ولا ما هو شرط أولي للأمة؛ وهو وجود شخص، أو هيئة مكونة من عدة أشخاص، لها قوة تنفيذ أوامرها على كافة أفرادها، وحملهم على طاعتها. وطبيعة المعيشة القبلية التي كانت تعيشها تأبى ذلك.

أضف إلى ذلك؛ أنه لم يكن هناك ما يشجع العرب على هذه الفكرة؛ لأنهم إذا نظروا هذا النظر لم يشعرهم ذلك بعظمة، ولا فخر، فحولهم الفرس من ناحية، والروم من ناحية، وعلاقة العرب معهم ليست علاقة تشعر بالقوة؛ فهم يتعاملون معهم تجاريا، ولكن ليست علاقة الند بالند، بل علاقة الفقير بالغني، والضعيف بالقوي، ومن تاجر منهم، وانتقل إلى فارس والروم ورأى عظمتهم، استضعف نفسه. نعم! وردت بعض قصص قد تنقض ما نقول؛ كالذي رواه القظامي عن الكلبي: من وفود العرب على كسرى

1

وافتخار النعمان بالعرب وفضلهم على جميع الأمم، لا يستثني فارس، ولا غيرها، وأن أمة لو قرنت بالعرب لفضلتها (العرب) بعزها ، ومنعتها، وحسن وجوهها، وبأسها، وسخائها، وحكمة ألسنتها، وشدة عقولها، وأنفتها، ووفائها ... إلخ، ولكنا نشك في هذا الخبر شكا كبيرا، فإنا لم نجد هذا الخبر إلا عن الكلبي، وهو مشهور بالوضع. ولأن هذا الحديث لم نجد أحدا رواه في العصر الأموي مع أهميته؛ إنما روي عن الكلبي وحده في العصر العباسي، هذا إلى أن ما فيه من الصنعة الفنية؛ دليل على وضعه، بل عندنا من الأخبار الصحيحة ما ينقضه، ذلك ما يقوله قتادة، وهو من مشهوري التابعين؛ وهو كذلك: عربي صميم، من سدوس. قال عند تفسير قوله تعالى

وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها : «كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأبينه ضلالة، وأعراه جلودا، وأجوعه بطونا، معكومين على رأس جحر بين الأسدين؛ فارس والروم. لا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه. من عاش منهم عاش شقيا! ومن مات ردي في النار! يؤكلون، ولا يأكلون! والله ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض، كانوا فيها أصغر حظا، وأدق فيها شأنا منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام، فورثكم به الكتاب. وأحل لكم به دار الجهاد، ووسع لكم به من الرزق، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس!!».

2

والعرب لما انتصرت قبيلة منهم على فرقة من الجيش الفارسي يوم ذي قار؛ عدت ذلك فخرا عظيما، مع أنه ليس بشيء ذي خطر، فأي فرقة لأي أمة عرضة للانهزام، ولكن العرب أحسوا بالفخر العظيم لانتصارهم، كأنهم ما كانوا يتوقعون أن تهزم حملة فارسية، بل في نفس هذه القصة مستند قوي لما نقول، وهو: أن العرب لما انتصروا يوم ذي قار لم يتغنوا بنصرة العرب على الفرس، إنما تغنوا بنصرة القبائل التي اشتركت في الحرب، وهم: الشيبانيون، والمجليون واليشكريون، ولم تتجل في الغناء روح عربية عامة.

ويخبرنا الطبري: أنه عندما أراد عمر فتح فارس تخوفوا من الفرس، وعجبوا كيف يستطيعون أن يحاربوهم! يقول: «وكان وجه فارس من أكره الوجوه إليهم (إلى المسلمين) وأثقلها عليهم؛ لشدة سلطانهم، وشوكتهم، وعزهم ، وقهرهم الأمم». وروى أن المثنى بن حارثة تكلم فقال: «يا أيها الناس، لا يعظمن عليكم هذا الوجه، فإنا قد تبحبحنا ريف فارس، وغلبناهم على خير شقي السواد، وشاطرناهم، ونلنا منهم، واجترأ من قبلنا عليهم، ولها إن شاء الله ما بعدها!!»

ضحى الإسلام · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٨