إنما المؤمنون إخوة
ويقول النبي:
صلى الله عليه وسلم «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.» ويقول عمر: «لو كان سالم، مولى حذيفة حيا لوليته!!» وإذا قلت العرب؛ فلست أعني جميعهم، فقد كان هناك طائفة كبيرة من خيارهم تدين بتعاليم الإسلام، وتجعل مقياس الفضل التدين لا الدم؛ فقد كان علي بن أبي طالب لا يفضل شريفا على مشروف، ولا عربيا على عجمي، ولا يصانع الرؤساء وأمراء القبائل، فكان هذا من آكد الأسباب في تقاعد العرب عنه!»
10
وروى المدائني: أن طائفة من أصحاب علي مشوا إليه فقالوا: «يا أمير المؤمنين أعط هذه الأموال، وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، واستمل من تخاف خلافه من الناس.» وإنما قالوا له ذلك لما كان معاوية يصنع في المال. فقال لهم: «أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور؟!»
11
ولكن سواد العرب، وحكام بني أمية وولاتهم، كانت عندهم هذه العصبية العربية قوية، يحقرون معها من لم يكن منهم. وكتب الأدب وحوادث التاريخ مملوءة بالشواهد على ذلك: نزل جرير بقوم من بني العنبر فلم يضيفوه حتى اشترى منهم القرى! فانصرف وهو يقول:
يا مالك بن طريف، إن بيعكم
رفد القرى مفسد للدين والحسب!
قالوا نبيعكه بيعا فقلت لهم:
بيعوا الموالي واستحيوا من العرب!
قال المبرد: إن جلة الموالي أنفت من هذا البيت؛ لأنه حطهم ووضعهم، ورأى أن الإساءة إليهم غير محسوبة عيبا.
12
وقال المختار لإبراهيم بن الأشتر يوم خازر، وهو اليوم الذي قتل فيه عبيد الله بن زياد: «إن عامة جندك هؤلاء الحمراء (يريد الموالي )، وإن الحرب إن ضرستهم هربوا، فاحمل العرب على متون الخيل، وأرجل الحمراء أمامهم.»
13
وروى الأغاني: أن رجلا من الموالي خطب بنتا من أعراب بني سليم وتزوجها. فركب محمد بن بشير الخارجي إلى المدينة، وواليها يومئذ إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، فشكا إليه، فأرسل الوالي إلى المولى، ففرق بين المولى وزوجته، وضربه مائتي سوط، وحلق رأسه ولحيته وحاجبيه!
فقال محمد بن بشير:
قضيت بسنة وحكمت عدلا،
ولم ترث الحكومة من بعيد!
وفيها يقول:
وفي المائتين للمولى نكال،
وفي سلب الحواجب والخدود!
إذا كافأتهم ببنات كسرى
فهل يجد الموالي من مزيد؟
فأي الحق أنصف للموالي
من إصهار العبيد إلى العبيد؟!
14
وكان الحجاج، أحد أركان الدولة الأموية، ينفذ هذه السياسة في شدة ودقة؛ فقد وسم أيدي النبط بالمشراط، وفي ذلك يقول الشاعر في مولى:
لو كان حيا له الحجاج ما سلمت
صحيحة يده من وشم حجاج
15
ولما نزل الحجاج واسطا نفى النبط منها، وكتب إلى عامله بالبصرة، وهو الحكم بن أيوب، يقول: إذا أتاك كتابي فانف من قبلك من النبط، فإنهم مفسدة للدين والدنيا. فكتب إليه: قد نفيت النبط، إلا من قرأ منهم القرآن، وتفقه في الدين. فكتب إليه الحجاج إذا قرأت كتابي فادع من قبلك من الأطباء، ونم بين أيديهم ليقفوا عروقك، فإن وجدوا فيك عرقا نبطيا فاقطعه! والسلام.
16
وأمر الحجاج أن لا يؤم الكوفة إلا عربي.
17
ولما قبض على سعيد بن جبير، وكان قد خرج مع ابن الأشعث على الحجاج؛ قال له الحجاج: أما قدمت الكوفة وليس يؤم بها إلا عربي، فجعلتك إماما؟! قال: بلى. قال: أفما وليتك القضاء فضج أهل الكوفة، وقالوا لا يصلح القضاء إلا لعربي! فاستقضيت أبا بردة بن أبي موسى الأشعري، وأمرته ألا يقطع أمرا دونك! قال: بلى. قال: أوما جعلتك في سماري وكلهم من رءوس العرب؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك علي؟ ... إلخ.
18
ويقول الأصفهاني: كانت العرب إلى أن عادت الدولة العباسية إذا أقبل العربي من السوق ومعه شيء فرأى مولى دفعه إليه ليحمله عنه، فلا يمتنع، ولا السلطان يغير عليه! وكان إذا لقيه راكبا، وأراد أن ينزل فعل، وإذا رغب أحد في تزوج مولاة خطبها إلى مولاها دون أبيها وجدها.