تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أعوزتني الرواة يا ابن سليم

وآبى أن يقيم شعري لساني

وغلا بالذي أجمجم صدري

وجفاني لعجمتي سلطاني

9

وازدرتني العيون إذ كان لوني

حالكا مجتوى من الألوان

10

فضربت الأمور ظهرا لبطن

كيف أحتال حيلة للساني!

وتمنيت أنني كنت بالشعر

فصيحا وبان بعض بناني جج

ولما أمر أبو جعفر المنصور الناس بلبس السواد قال:

كسيت ولم أكفر عن الله نعمة

سوادا إلى لوني ودنا ملهوجا

11

وبايعت كرها بيعة بعد بيعة

مبهرجة أن كان أمرا مبهرجا

وقد كرهه العباسيون لأنه قال كثيرا في مدح الأمويين، فلما تحولت الدولة أراد أن يتحول فلم يقبلوا منه، فكان يذمهم، ومن ذلك قوله هذا، وقوله:

فليت جور بني مروان عاد لنا

وليت عدل بني العباس في النار!

12

ولم يصل إلينا من شعره كثير، حتى نتبين إن كان فيه معان جديدة كسبها من أصله الهندي.

واشتهر من اللغويين ممن أصله هندي ابن الأعرابي (كان أبوه زياد عبدا سنديا)، وكان ابن الأعرابي علما من أعلام اللغة والأدب والشعر، أملى على الناس ما يحمل من أجمال، وألف تآليف كثيرة، وتتلمذ له كثيرون من أشهرهم ثعلب وابن السكيت. ولم يبق لنا من كتبه إلا كتاب في أسماء البئر وصفاتها،

13

وكتاب في أسماء الخيل وأنسابها،

14

ومن كتبه التي ألف كتاب الأنواء. ولو وصل إلينا لعلمنا هل تأثر فيها بمعارف الهند، أو اقتصر على معارف العرب، على النحو الذي ألف فيها غيره من علماء العرب.

ومن المحدثين الهنديين أبو معشر نجيح السندي، صاحب المغازي، سمع نافعا ونفرا من التابعين، وكان ألكن يقول حدثنا محمد بن «قعب» يريد كعب ... إلخ الخ.

هذا نوع يمثل لنا اندماج الهنود في المسلمين، واعتناقهم الإسلام، وتعلمهم علما إسلاميا عربيا، ونبوغ بعضهم فيه. وقد رأينا قبل فيما نقلنا عن الجاحظ اشتهار السنديين بحسن القيام على المال وتدبيره، حتى «لا ترى بالبصرة صيرفيا إلا وصاحب كيسه سندي.»

والآن نريد أن نتعرض للجانب الآخر من الموضوع، وهو تأثير الهنود في الثقافة الإسلامية.

أثر الهنود في الثقافة الإسلامية من ناحيتين؛ ناحية مباشرة، وذلك باتصال المسلمين أنفسهم بالهند من طريق التجارة، ومن طريق الفتح العربي، فإن هذا الفتح صير ما فتح من بلاد السند جزءا من المملكة الإسلامية، تخضع لنظامها، وتجري عليها أحكامها، وينتقل المسلمون إليها، وينتقل الهنود إلى أنحاء العالم الإسلامي المختلفة. وكل من هؤلاء وهؤلاء يحملون ثقافتهم، ويتبادلونها بعضهم مع بعض تبادل السلع.

وناحية غير مباشرة؛ وذلك نقل ثقافتهم بواسطة الفرس، فإن الفرس اتصلوا بالهنود اتصالا وثيقا قبل الفتح الإسلامي، وأثروا فيهم وتأثروا بهم، وأخذوا كثيرا من الثقافة الهندية، وأدمجوها في ثقافتهم، فلما نقلت الثقافة الفارسية إلى العربية، كان معنى هذا نقل جزء من الثقافة الهندية في ثناياها.

وقد عد المسلمون الهنود إحدى الأمم الأربع ذات الصفات الممتازة، وهي: الفرس والهند والروم والصين، وقال الجاحظ فيهم: «اشتهر الهند بالحساب وعلم النجوم وأسرار الطب، والخرط والنجر والتصاوير، والصناعات الكثيرة العجيبة.»

15

وقال المسعودي: «ذكر جماعة من أهل العلم والنظر أن الهند كانت قديم الزمان الغرة التي فيها الصلاح والحكمة.» ثم ألم بطرف من إلهياتهم ورياضتهم وألعابهم، إلى أن قال: «والهند في عقولهم وسياستهم وحكمهم، وألوانهم وصفاتهم، وصحة أمزجتهم، وصفاء أذهانهم، ودقة نظرهم، بخلاف سائر السودان.»

16

وقال الأصفهاني في محاضرات الأدباء: «إن الهند لهم معرفة الحساب والخط الهندي، وأسرار الطب، وعلاج فاحش الأدواء، والرقى وعلم الأوهام، وخرط التماثيل ونحت الصور، وطبع السيوف، والشطرنج، والحنكلة، وهي وتر واحد يجعل على قرعة فيقوم مقام العود، ولهم ضروب الرقص، والثقافة والسحر والتدخين.»

ضحى الإسلام · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٨٨