تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الثامن

| الثقافه الهندية

قديما عرف العرب «الهند» في جاهليتهم، واتصلوا بهم تجاريا، وأولعوا بالعود الطيب الذي يجلب من الهند، فقال عدي بن الرقاع:

رب نار بت أرمقها

تقضم الهندي والغارا

قالوا إنما عنى بالهندي عود الطيب الذي من بلاد الهند، كما أولعوا بالسيوف الهندية، وسموا السيف المطبوع من حديد الهند المهند، وقالوا سيف مهند، وهندي، وهندواني إذا عمل ببلاد الهند وأحكم عمله، واشتقوا منه فقالوا: هند السيف إذا شحذه، وقال قائلهم: «كل حسام محكم التهنيد». قال الأزهري: والأصل في التهنيد عمل الهند.

1

وسموا كثيرا من نسائهم «هندا»، كما سموا «هند الهنود»، ولا أدري هل أصل التسمية هذه البلاد.

ولما فتح المسلمون فارس والعراق فكروا في الهند، فيحدثنا البلاذري: «أنه لما ولي عثمان بن عفان، وولي عبد الله بن عامر بن كريز العراق، كتب إليه يأمره أن يوجه إلى ثغر الهند من يعلم علمه، وينصرف اليه بخبره، فوجه حكيم بن جبلة العبدي، فلما رجع أوفده إلى عثمان فسأله عن حال البلاد فقال: يا أمير المؤمنين، قد عرفتها وتنحرتها. قال: فصفها لي. قال: ماؤها وشل، وثمرها دقل،

2

ولصها بطل. إن قل الجيش فيها ضاعوا، وإن كثروا جاعوا. فقال له عثمان: أخابر أم ساجع؟ قال: بل خابر، فلم يغزها أحد.»

3

وتتابع المسلمون يغزونها، ويصيبون منها المغانم، حتى وجه الحجاج محمد بن القاسم الثقفي إلى الهند في أيام الوليد ففتح جزءا عظيما منها، وهو المسمى بالسند سنة 91ه، ففتح «ديبل»

Daibul ، و«نيرانكوت» المسماة الآن «بحيدر آباد»، وسار إلى «راور»، وأخيرا فتح «ملتان». وكان محمد بن القاسم قائد الجيوش وفاتح هذه الفتوح فتى شابا لم يتجاوز العشرين، قال فيه القائل:

إن المروءة والسماحة والندى

لمحمد بن القاسم بن محمد

ساس الجيوش لسبع عشرة حجة

يا قرب ذلك سؤددا من مولد!

وقال فيه آخر:

ساس الرجال لسبع عشرة حجة

ولداته عن ذاك في أشغال!

وقد غنموا مغانم كثيرة، وسبوا سبيا كثيرا، انتشر كشأن السبايا في المملكة الإسلامية، وأصبح الجيل السندي عنصرا من العناصر المكونة للأمة الإسلامية. حدث الأغاني قال: «بعث الجنيد بن عبد الرحمن المري إلى خالد بن عبد الله القسري بسبي من الهند بيض، فجعل يهب كما هو للرجل من قريش، ومن وجوه الناس، حتى بقيت جارية منهن جميلة كان يدخرها، وعليها ثياب أرضها؛ فوطتان. فقال لأبي النجم: هل عندك فيها شيء حاضر وتأخذها الساعة؟ قال: نعم أصلحك الله.»

4

ثم قال فيها رجزه المشهور الذي مطلعه:

علقت خودا من بنات الزط

5

وفي عصرنا الذي نؤرخه تبعت السند للعباسيين، وولي أبو جعفر المنصور هشام بن عمرو التغلبي عليها سنة 142، فتوسع في الفتح شمالا؛ ففتح «كابل»، و«كشمير»، وأصاب سبيا ورقيقا كثيرة، واتصلت العلاقات التجارية بين السند والمملكة الإسلامية؛ فكان يأتي منها العود والسكر، والغاب الهندي.

6 •••

وما إن تم الفتح حتى رأينا الحركة العلمية تتبعه، فكان بعض الفاتحين أنفسهم من العلماء؛ فالربيع بن صبيح البصري أشهر المحدثين، وأولهم تدوينا للحديث، كان في الجيش الذي سيره المهدي سنة 159 لغزو الهند وبها مات.

7

وقد ترجم الذهبي لبعض المحدثين في السند في كتابه تذكرة الحفاظ،

8

وهكذا لم يكن الجيش الإسلامي فاتحا فقط، بل كان أيضا ناشرا للدعوة ومعلما.

ومن ناحية أخرى سرعان ما رأينا الموالي الذين جلبوا من الهند، وغنموا في الحرب، ووزعوا على الجند، ينبغ منهم ومن أولادهم الشعراء وعلماء اللغة والمحدثون؛ فمن الشعراء كان أبو عطاء السندي، وهو شاعر من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، وكان أبوه سنديا لا يفصح، ونشأ ابنه في المسلمين شاعرا كبيرا، وإن كان في لسانه لكنة شديدة ولثغة، كان يقول في مرحبا «مرهبا»، وفي حياكم الله «هياكم الله»، وفي الزج «الزز»، وفي جرادة «زرادة»، وفي الشيطان «سيطان»، وفي أظن «أزن»، حتى اضطر أن يتخذ له غلاما ينشد شعره تحاميا من أن ينشده بلسانه، وهو القائل:

ضحى الإسلام · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٨٧