إنا لم نجد فيما بين أيدينا من الكتب، وخاصة في الكتب التي ألفت في العصور الأولى كالمسعودي، وفهرست ابن النديم من نسب لابن المقفع كتابا كهذا، وهو حري بأن ينص عليه؛ لأنه يهيج شعور المسلمين، ويحملهم على الرد عليه، ودفع مطاعنه.
وأما شكنا في نسبة الرد للقاسم بن إبراهيم؛ فمن وجوه كذلك:
أولها:
من الناحية الفنية؛ فقد علمنا أن القاسم في النصف الأول من القرن الثالث، والكتاب من أوله إلى آخره كله مسجوع، متكلف السجع. ونحن نعلم أن هذا العصر (عصر الجاحظ) لم يتكلف فيه سجع، ولم تؤلف فيه كتب مسجوعة كلها، وإن تكلف فيه سجع؛ ففقرة أو فقرتان، فأما كتاب كله سجع، فهذا ما لا نعرفه في هذا العصر هذا إلى إسفاف في السجع، ورداءة في التعبير كقوله: «فالإنس والخلق ليس بينهما عندكم خلاف، والأعيان والأعراض فقد تجمعها الأوصاف.»
89
ثانيا:
ترجم ابن النديم في الفهرست للقاسم بن إبراهيم، وعدد كتبه، وهي كتاب الأشربة، وكتاب الإمامة، وكتاب الأيمان والنذور، وكتاب سياسة النفس، وكتاب الرد على الرافضة،
90
وهذه هي كل كتبه التي ذكرها ولم يذكر منها ردا على ابن المقفع.
هذا يجعلنا نخالف ما ذهب إليه الأستاذ «جويدي» من ترجيحه صحة نسب الكتاب والرد عليه. •••
وبعد، فالقارئ لكتب ابن المقفع وتاريخه يخرج منه على أديب ثقف ثقافة واسعة فارسية وعربية، ينزع نزعة قوية لقومه من الفرس، ويحيي أمته بنشر آدابها وسياستها وتاريخها، ويرى عيوب النظم الاجتماعية في عصره فينادي بإصلاحها بتطبيق الصالح من النظم الفارسية، ثم هو نبيل شريف النفس، يسترعي بنبله وأدبه أنظار الناس، فيروي الأصمعي أن ابن المقفع سئل: «من أدبك؟ قال: نفسي، إذا رأيت من غيري حسنا أتيته، وإن رأيت قبيحا أبيته.» ثم إن نبله وعلو خلقه أتيا من طريق الفكر والفلسفة، لا من طريق الدين، ورجال الخلق قد يكون خلقهم تدينا، وقد يكون خلقهم تفلسفا، فأخلاق الحسن البصري العالية مثلا مبعثها الدين، يتجلى ذلك في حكمه وأقواله وسيرته، فهو يصدق ويحسن ويعدل لأن الله أمر بالصدق والعدل والإحسان. أما ابن المقفع فباعثه الخلقي فلسفي، يصدق لأن في الصدق شرفا ورفعة، ولو لم يأمر به دين لكان في نفسه حسنا، يظهر ذلك في حكمه، فقل أن يستند في قوله إلى آية أو حديث، وإنما يعلل ذلك تعليلا عقليا، فهو رجل مدني وعالم مدني، لا رجل دين ولا عالم دين، يتجلى في أقواله إيمان بالله، وإيمان بدين؛ لكن لا يتجلى فيها إيمان بتفاصيل دين.
فلو سئلنا ما كانت منزلة الإسلام من قبله؟ فخير ألا نحاول الإجابة؛ فنحن لا نستطيع الحكم في هذا على من هم تحت سمعنا وبصرنا، فكيف بمن باعدت بيننا وبينه القرون، وانغمس في السياسة وأحزابها، وحارب وحورب بها، فلنكله إلى الله، فالله وحده خير الحاكمين. •••
إذن كانت الثقافة الفارسية عنصرا قوي الأثر في ذلك العصر: في الشعر في الأدب، في الحكم، في القصص، في الخرافات والأوهام، في العادات والتقاليد، في نظم الحكم، في دعاة الإصلاح، في رجال اللهو والغناء، في الديانات ومذاهب المتكلمين، في رجال العلم والتدوين، في قصور الخلافة، في الخاصة والعامة. وكان لهذا العنصر حماة ودعاة، يعملون كثيرا بداعي العصبية القومية، وأحيانا بداعي الخير والإصلاح، وكان لكثير من هؤلاء الدعاة مناصب تمكنهم من بسط نفوذهم، وحماية دعوتهم سرا إذا دعت الحال، وجهرا إن أمكن الجهر. ولم يكن ابن المقفع إلا زعيما من زعمائها العديدين، وأبطالها البارعين. ولم تنتشر دعوتهم في لين وهوادة، بل قوومت من عناصر أخرى في شدة وعنف، قاومها العرب إذ أحسوا الخطر، وقاومتها الأجناس الأخرى دفاعا عن قوميتها، وكان صراع لغوي وديني، وصراع عادات وتقاليد، وصراع علمي، وكان النصر في بعض الميادين لهذا، وبعضها لذاك، كما سنبينه في الكلام عن امتزاج الثقافات إن شاء الله.