تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا بيت عاتكة الذي أتعزل

حذر العدى وبه الفؤاد موكل

إني لأمنحك الصدود وإنني

قسما إليك مع الصدود لأميل

وزاد من أتى بعد (كالباقلاني، والقاضي عياض) اتهامه بمعارضته القرآن الكريم!

ونحن نعلم من حياة ابن المقفع أنه قضى أكثر حياته وهو مجوسي ظاهرا وباطنا، ولم يسلم إلا وهو كاتب عيسى بن علي، ولم يعمر بعد إلا سنين قليلة، وهو من غير شك لا يؤاخذ على زندقته، وما ألف فيها إن كان قد ألف قبل أن يسلم، وإنما يؤاخذ على ما ألف أو قال بعد إسلامه؛ فالإسلام يجب ما قبله. ولم ينص هؤلاء الرواة على أنه قال، أو ألف كتابا في الزندقة بعد إسلامه إلا عبارة سفيان بن معاوية، وهو متهم لما بينهما من عداء شخصي، سببه أن ابن المقفع كان يحتقره ويزدريه، وإلا ما روى من تمثله ببيتي الأحوص.

وقد بالغوا في الفحص عما يشتم منه زندقته، ورموه بها حتى فيما ليس فيه زندقة؛ فقد روى أبو تمام في ديوان الحماسة لابن المقفع أبياتا له في الرثاء، وهي:

رزئنا أبا عمر ولا حي مثله

فلله ريب الحادثات بمن وقع

فإن تك قد فارقتنا وتركتنا

ذوي خلة ما في انسداد لها طمع

لقد جر نفعا فقدنا لك أننا

أمنا على كل الرزايا من الجزع

فقال ثعلب: «البيت الأخير يدل على مذهبهم في أن الخير ممزوج بالشر، والشر ممزوج بالخير.» وأنا أقول لثعلب هلا قرأت قوله تعالى

يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما

الحق أن ثعلبا وأمثاله تحاملوا عليه كثيرا.

وقد أخرجت «مؤسسة كايتاني» للأبحاث عن تاريخ الإسلام وحضارته كتابا نشره الأستاذ «ميكائيل أنجلو جويدي» سنة 1927، عنوانه «كتاب الرد على الزنديق اللعين ابن المقفع عليه لعنة الله للقاسم بن إبراهيم، عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم».

وهذا القاسم بن إبراهيم (كما في «عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب») هو القاسم بن إبراهيم بن طباطبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب، كان يكنى أبا محمد، وكان يقيم في جبال الرس، ولذا عرف باسم قاسم الرسي، وقد مات القاسم سنة 246ه، أي بعد ابن المقفع بنحو قرن. وكتاب القاسم كامل، ولكن كتاب ابن المقفع لم يذكر كله بنصه، وإنما ذكر المؤلف فقرا منه تمهيدا للرد عليها، ويقع النص العربي في خمس وخمسين صفحة، ثم ترجمة الأستاذ جويدي إلى اللغة الإيطالية، وعلق عليها، وقدمه بمقدمة تبحث في الكتاب، وهذه الفقر التي تنسب إلى ابن المقفع تدلنا على غرض الكتاب ومنحاه ولغته.

ونحن نشك كل الشك في نسبة الأصل لابن المقفع، والرد للقاسم من وجوه:

فأما الشك في نسبة أصل الكتاب لابن المقفع: (1)

من الناحية الفنية؛ فأسلوب الكتاب غير الأسلوب المعروف لابن المقفع، والذي نتبينه من الأدبين ورسالة الصحابة وكليلة ودمنة، ففي كل هذه الكتب لا يعمد إلى السجع إلا ما جاء عفوا، أما في هذا الكتاب، فيتعمد السجع أحيانا تعمدا كقوله: «لأن كون شيء لا من شيء لا يقوم في الوهم له مثال، وما لا يقوم في الوهم له مثال فمحال.»

87

هذا إلى أن العبارة نفسها من نوع التعبير الفلسفي، الذي لم يعرف الا بعد زمن ابن المقفع. (2)

يستهزئ هذا المؤلف بالتعبير بأن لله يدين، وبالاستواء على العرش، وبأنه قاب قوسين أو أدنى، ويحمل هذه التعبيرات على ظاهرها. ونحن نعلم أن ابن المقفع كان ضليعا في اللغة العربية، حتى قال الأصمعي: «قرأت آداب ابن المقفع فلم أر فيها لحنا إلا قوله «العلم أكثر من أن يحاط بالكل منه فاحفظوا البعض.»

88

وألف ابن المقفع في الكلام كما حكى الجاحظ، وتعرض للمعتزلة، فمن البعيد جدا أن يفهم ابن المقفع من اليد والوجه والاستواء على العرش المعاني الحقيقية الظاهرية. (3)

إذا نحن استثنينا أول الرسالة، وهو قوله «باسم النور الرحمن الرحيم» وجدنا الرسالة كلها ليست تأييدا لمذهب ماني، ولا لمذهب زرادشت أو مزدك، وإنما هي دعوة إلى الإلحاد المطلق؛ فهو يهزأ بعلاقة الله بالإنسان، وكيف انقلب عليه خلقه وهم عمل يديه! وكيف قتل أعداؤه أنبياءه ورسله! وكيف أمرض خلقه وعذبهم بما عرض من الأسقام لهم! وكيف يأمرك بالإيمان بما لا تعرف، والتصديق بما لا تعقل! وكيف صارت الغلبة للشيطان فتبعه الناس إلا أقلهم! ... إلخ. وهي كما ترى ليست مطاعن في الإسلام وحده، وإنما هي طعن في كل دين، ومنها الديانة الثنوية. ونحن نعلم من تاريخ ابن المقفع أنه كان يستمسك بدينه، ولما اعتزم الإسلام أبى أن يبيت ليلة على غير دين، وسواء أكان إسلامه حقا أم ظاهرا فقط، فليس من طبيعته الحرص على دين ما أن يهاجم الأديان كلها بهذه اللغة. (4)

ضحى الإسلام · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٨٥