لعل ابن المقفع لم يستطع أن يواجه «المنصور» بأكثر ما واجهه به في رسالة الصحابة، وقد مزج نقده بكثير من المدح للخليفة والثناء عليه، ونسب أكثر الشدة التي يراها إلى غيره. ولكن هذا لم يشف غلته، فرأى أن أسلم طريقة أن يترجم هذا الكتاب ويزيد فيه ليعمل الكتاب في الخلفاء والرعية ما فعله كليلة ودمنة في الهند وفارس، ولعل هذا هو الغرض الرابع الذي أخفاه في مقدمة الكتاب، ولم يصرح به، فقد جاء فيها: «ينبغي للناظر في هذا الكتاب أن يعلم أنه ينقسم إلى أربعة أغراض؛ أحدها ما قصد فيه إلى وضعه على ألسنة البهائم غير الناطقة ليسارع إلى قراءته أهل الهزل من الشبان ... والثاني إظهار خيالات الحيوانات بصنوف الأصباغ والألوان، ليكون أنسا لقلوب الملوك، ويكون حرصهم عليه أشد للنزهة في تلك الصور، والثالث أن يكون على هذه الصورة فيكثر بذلك انتساخه، ولا يبطل فيخلق على مرور الأيام، لينتفع بذلك المصور والناسخ أبدا، والغرض الرابع وهو الأقصى، وذلك مخصوص بالفيلسوف خاصة.» وسكت عن هذا الغرض الرابع ولم يبينه، وهو من غير شك غرض ابن المقفع من ترجمته. والظاهر أن هذا الغرض يمكن تلخيصه في أنه النصح للخلفاء؛ حتى لا يحيدوا عن طريق الصواب، وتفتيح أعين الرعية حتى يعرفوا الظلم من العدل، وحتى يطالبوا بتحقيق العدل، ولم يوضحه ابن المقفع لأن في إيضاحه خطرا عليه من المنصور، ولعل هذه النزعة فيه كانت من الأسباب في الإيعاز بقتله.
وتدل المقارنة بين ما عثر عليه من الفصول الهندية، والترجمة السريانية القديمة التي ترجمت من اللغة الفهلوية القديمة نحو سنة 570م، والتي وجدت في دير في «ماردين»، ونشرت سنة 1876م، على أن ابن المقفع لم يترجم الكتاب ترجمة حرفية، بل حور كثيرا في جمله ومعانيه وترتيبه، حتى يتفق والذوق العربي الإسلامي، وذوق المتأدبين في عصره، بل أضاف فصولا من عنده كما أشرنا قبل؛ مثل كتاب الفحص عن أمر دمنة، ففيه نفحة إسلامية ظاهرة، مثل: «ومن يجزي بالخير خيرا، وبالإحسان إحسانا إلا الله.» «ومن طلب الجزاء على الخير من الناس كان حقيقا أن يحظى بالحرمان؛ إذ يخطئ الصواب في خلوص العمل لغير الله تعالى، وطلب الجزاء من الناس.» ومثل: «لأن تعذب في الدنيا بجرمك خير من أن تعذب في الآخرة بجهنم مع الإثم.» ومثل: «والعلماء قد قالوا في شأن الصالحين إنهم يعرفون بسيماهم.» «وقالت العلماء: من كتم حجة ميت أخطأ حجته يوم القيامة.» «وقد علمنا أن شهادة الواحد لا توجب حكما» ... إلخ. وقد أثبت البحث أن ابن المقفع كان يحذف جملة من الأصل الفهلوي، ويضع مكانها جملة أخرى توافق مزاج عصره، وقد يضع فصلا كاملا، ولعل هذا هو السبب فيما حكاه ابن خلكان من أن الكتاب مختلف فيه؛ هل هو ترجمة ابن المقفع أو تأليف له.
وترجمة ابن المقفع نفسها قد دخل عليها كثير من التغيير على توالي العصور بدليل: (1)
اختلاف النسخ التي بين أيدينا اختلافا كبيرا. (2)
وإنا نجد ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار ينقل بعض قطع من كليلة ودمنة، وهي تخالف في عبارتها ما بين أيدينا من الكتاب. (3)
ونرى في النسخ التي وصلت إلينا من كتاب «نتائج الفطنة، في نظم كليلة ودمنة» لابن الهبارية اختلافا في ترتيب الأبواب، وليس فيه «باب الحمامة، ومالك الحزين»، وسمي فيه «باب إيلاذ وبلاذ»، و«هيلار وبيلار»، مع اختلاف في سياق
المثل ... إلخ.
وقد كان لكتاب كليلة ودمنة أثر كبير في الأدب العربي، وفي غيره من الآداب، وعني الناس به عناية كبرى، وحذوا حذوه. من ذلك أن كثيرين نظموه، نعرف منهم أبانا اللاحقي، ولكن لم يصل إلينا من نظمه إلا القليل، ثم نظمه ابن الهبارية في كتابه «نتائج الفطنة»، ويذكر ابن الهبارية في ترجمته أنها خير من ترجمة أبان.