تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كليلة ودمنة

ليس من قصدنا أن نبحث هنا في كتاب «كليلة ودمنة» ونعرض لأبحاث المستشرقين في أصل الكتاب؛ أمثال «ده ساسي»، و«شوفان»، و«بيكل»، و«فالكونر»، و«هرتل»، و«نولدكه»، و«جويدي»، و«بروكلمان»، و«رايت»، وغيرهم، فلو استقصينا ما قالوا، وعمدنا إلى مناقشة آرائهم لاحتاج ذلك إلى كتاب بأكمله. ولكنا نوجز القول هنا فيما يتعلق بموضوعنا، وهو الثقافة الفارسية وآثارها، وابن المقفع وأعماله.

يقول ابن المقفع: إنه نقل الكتاب من اللغة الفهلوية، وقد نقل في أيام كسرى أنوشروان من الهندية إلى الفهلوية، وكان الباحثون في شك من ذلك حتى عثر الأستاذ هرتل

Hertel

على بعض الأصول الهندية الأولى كتبت باللغة السنسكريتية القديمة، كما عثر غيره على بعض أبواب من الكتاب مفرقة، فعثروا في كتاب على باب «الأسد والثور»، و«الحمامة المطوقة»، و«البوم والغربان»، و«القرد والغيلم»، و«الناسك وابن عرس»، وعثروا في كتاب آخر على باب «الجرذ والسنور»، و«الملك والطائرة فنزة»، و«الأسد وابن آوي»، كما عثروا في كتاب ثالث على باب «ملك الفيران»، وعثروا أيضا على باب «إيلاذ وبلاذ وايراخت»، وباب «السائح والصائغ»، و«ابن الملك ورفقائه»؛ فجميع هذه القصص هندية الأصل، ولكنهم لم يعثروا إلى الآن فيما أعلم على كتاب جمعت فيه هذه القصص كلها يسمى كليلة ودمنة، أو أي اسم آخر؛ فهل كان هناك كتاب هندي حوى كل هذه القصص، ألفه مؤلف واحد، ونقله الفرس إلى لغتهم؟ أو أن الفرس نقلوا هذه القصص المتفرقة في الكتب إلى لغتهم، ووحدوها في كتاب وأسندوها إلى مؤلف واحد؟ هذا مجال خلاف ما يزال بين الباحثين.

ويرجحون أن باب «بعثة بروزيه»، وباب ملك الجرذان من زيادات الفرس أنفسهم.

كما يرجحون أن هناك فصولا برمتها من زيادات ابن المقفع نفسه، وهي باب «غرض الكتاب»، وباب «الفحص عن أمر دمنة»، وباب «الناسك والضيف»، وباب «البطة ومالك الحزين».

وكما يذهب بعضهم إلى أن الباب الأول (وهو مقدمة الكتاب) لعلي ابن الشاه الفارسي، وضع بعد ابن المقفع، ويذهب «ده ساسي» ويوافقه «نولدكه» إلى أن بهنود بن سحوان أو علي ابن الشاه؛ هو «أبو القاسم علي بن محمد بن الشاه الظاهري»، الذي يقول عنه صاحب الفهرست: «إنه من نسل الشاه بن ميكال، وكان أديبا طيبا مفاكها في نهاية الظرف والنظافة.»

76

وقد توفي سنة 302 هجرية.

ولهم أدلة على كل ما ذكرنا يطول شرحها، ويخرج بنا على الغرض الذي إليه قصدنا. •••

وقد كان الباعث لابن المقفع على ترجمته على ما يظهر ما عهدناه فيه من ميل إلى الإصلاح الاجتماعي، شاهدناه في الأدب الكبير والصغير، ورسالة الصحابة. وكتاب كليلة ودمنة يشرح بعض هذه النواحي شرحا وافيا؛ فهو يتعرض للنصح بعدم الإصغاء إلى الحاسد والنمام ، ويبين أن هناك جزاء طبيعيا؛ فعاقبة الخير خير، وعاقبة الشر شر، وينصح بأخذ الحذر من العدو، والاعتماد على الصداقة ... إلخ.

ويظهر الآن أن تعمق ابن المقفع في دراسة الحياة الاجتماعية أداه إلى استنكار كثير من الأمور، ورأى أن معظمها يرجع إلى حكام عصره، ورأى أن الحرية السياسية غير متوافرة في زمنه؛ فهو لا يستطيع أن ينقد الخليفة وبطانته نقدا صريحا، وقد عاش ابن المقفع وقت نضوج فكره في زمن أبي جعفر المنصور، وهو شديد البطش قوي المنة،

77

سريع إلى إعمال السيف، وهو كان مؤسس الدولة العباسية، وواضع نظمها ومحصنها، وكان يرى ألا يمكن تثبيت قواعدها إلا بإخماد كل حركة تضعف من شأن الدولة، أو يتوهم فيها ذلك، ويقطع رأس كل مخالف، وكان من ضحايا المنصور كثيرون قتلوا بالظنة، وتذرع في قتلهم بالاتهام بالزندقة، أو نحو ذلك، وكان ابن المقنع نفسه أحد هؤلاء الضحايا!

لعل ابن المقفع رأى أن موقفه مع المنصور موقف بيدبا مع دبشليم؛ فقد جاء في مقدمة الكتاب: «فلما استوثق له (لدبشليم) الأمر، واستقر له الملك طغى وبغى، وتجبر وتكبر، وجعل يغزو من حوله من الملوك، وكان مع ذلك مؤبدا مظفرا منصورا؛ فهابته الرعية. فلما رأى ما هو عليه من الملك والسطوة عبث بالرعية واستصغر أمرهم، وأساء السيرة فيهم، وكان لا يرتقي حاله إلا ازداد عتوا، فمكث على ذلك برهة من دهره، وكان في زمانه رجل فيلسوف من البراهمة، فاضل حكيم يعرف بفضله، ويرجع في الأمور إلى قوله، يقال له «بيدبا»، فلما رأى الملك وما هو عليه من الظلم للرعية فكر في وجه الحيلة فيصرفه عما هو عليه، ورده إلى العدل والإنصاف ... إلخ».

ضحى الإسلام · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٨٢