انتقل بعد هذا إلى الكلام في الخراج، وهو عماد مالية الدولة، ويعني بالخراج المال المفروض على الأراضي، وقد شكا من الفوضى فيه، كما شكا قبل من فوضى القضاء، شكا أن الأراضي مع اختلافها جودة ليس مقررا على كل «وحدة» منها مبلغ معين، ولا سجل ذلك في دفاتر يحفظ أصلها ويحصل بمقتضاها. واقترح للإصلاح أن تمسح الأرض، ويفرض عليها المال المناسب، ويعرف كل مالك ما عليه ويدون ذلك في سجلات تحفظ أصولها في دواوين الدولة. ففي هذا «صلاح للرعية، وعمارة للأرض، وحسم لأبواب الخيانة، وغشم العمال.» وشعر بصعوبة هذا العمل مع ضرورته فقال: «إن مؤونته شديدة، ورجاله قليل، ونفعه متأخر» وختم مطالبه في إصلاح الخراج بتخير الذين يتولون هذا العمل، وشدة الرقابة عليهم، والاستبدال بهم عند ظهور خيانة عليهم. وقد رأينا بعد عصر ابن المقفع أبا يوسف يقول: في كتابه «الخراج»: «إن أمير المؤمنين (يعني هارون الرشيد) سألني أن أضع له كتابا جامعا، يعمل به في جباية الخراج والعشور والصدقات والجوالي،
74
وغير ذلك مما يجب عليه النظر فيه والعمل به، وإنما أراد بذلك رفع الظلم عن رعيته، والصلاح لأمرهم، وطلب أن أبين له ما سألني عنه؛ مما يريد العمل به، وأفسره وأشرحه، وقد فسرت ذلك وشرحته.»
75
فهل كان هذا العمل تحقيقا لمطالب ابن المقفع؟ قد يكون ذلك، ولكن مما لا شك فيه أن ابن المقفع عبر عن أهم المسائل التي تشغل العقلاء في عصره؛ فلا عجب أن نرى الكلام فيها كثيرا، وأن نرى كبراءهم يضعون العلاج لتلافيها، كذلك نرى فرقا كبيرا بين معالجة ابن المقفع لمسائله (وخاصة الخراج)، ومعالجة أبي يوسف؛ فابن المقفع يعالجها من الناحية العقلية المحضة، وأما أبو يوسف فيعالجها من الناحية الدينية؛ فهو لا يخطو خطوة إلا يدعمها بسند من كتاب أو سنة أو أثر، وأحيانا بقياس أو استحسان ، وهذا يرجع إلى الفرق بين ابن المقفع وأبي يوسف في المنشأ والمربى والمنصب. •••
ثم انتقل ابن المقفع إلى الكلام في جزيرة العرب من الحجاز واليمن واليمامة وغيرها، وقد كانت موضع نقمة المنصور إذ خرجت عليه، فطلب إليه أن يعنى بها عناية خاصة، فيتخير لولايتها الخيار من أهل بيته، وأن تسخو نفسه عن أموالها، وكأن ابن المقفع نظر في هذين الأمرين إلى أن جزيرة العرب منبع النبوة، ومصدر الإسلام، وقبلة المسلمين، وقد تولاها ولاة سوء انتهكوا حرمتها، فكانت حاجتها إلى خير الولاة أمس وأوجب. وهي فقيرة ليس فيها خصب العراق، ولا غنى الأمصار، فإذا كانت الأمصار الأخرى تحمل ما زاد من ثروتها إلى دار الخلافة فخير للخليفة ألا يتبع هذه السنة في جزيرة العرب، فيترك لها ما لها إن لم يمدها بمال من عنده.
وختم «ابن المقفع» تقريره ببيان ما للخليفة من أثر عظيم إذا صلح؛ ذلك أن العامة لا تصلح إلا بصلاح الخاصة، والخاصة لا تصلح إلا بصلاح إمامها، سلسلة يأخذ بعضها بحجز بعض؛ لأن العامة تقلد خاصتها في شئونها، وتتبعها في سيرها، فإذا كان الخواص من ذوي الدين والعقل كان في ذلك صلاح للعامة، وموقف الخاصة من الإمام موقف العامة من الخاصة، «فنسأله أن يعزم لأمير المؤمنين على المراشد، ويحصنه بالحفظ والثبات.» •••
هذه خلاصة وتحليل لرسالة الصحابة، وإن شئت فقل إنها ترجمة لما فيها من أفكار؛ فقد اعتراها من فساد النسخ والتحريف والغموض ما جعل إدراك مراميها بعيد المنال.
ومنها نرى أن ابن المقفع كان ناضج العقل في رسالته، قوي الفكر، شاعرا بوجوه الضعف في الدولة، ميالا إلى إصلاحها، ولو عرفنا أنه قتل ولما يتجاوز الأربعين من عمره عرفنا قدر نبوغه، وعرفنا أي عقل كبير كان يشغل رأسه.
لم يعالج ابن المقفع ما عالجه من الناحية الدينية كما عالجه أبو يوسف مثلا؛ فإن تربيته لم تكن دينية، بل لم يسلم إلا قريبا، كما ساعده على هذا النوع من التفكير أنه كان فارسيا، وكان واسع العلم بالتاريخ الفارسي، وترجم بعض كتب التاريخ إلى اللغة العربية؛ فهو يعلم تمام العلم نظم الفرس في الجند والقضاء والصحابة والخراج، وقد مرت هذه الدولة بأدوار كثيرة، وجربت تجارب عديدة، واستقر نظامها عهدا طويلا، وعالجه مصلحون قبله بأقوالهم وأعمالهم، فكان ابن المقفع ينظر إلى المملكة الإسلامية، وما فيها من نظم ناقصة في بعض نواحيها، وينتقل عقله بسرعة إلى قومه الفرس، فيقارن بين ما يرى أمامه، وما أرشده إليه التاريخ الفارسي، فتوحي إليه هذه المقارنة مقترحات الإصلاح، وتصطدم هذه المقترحات أحيانا بنظرات رجال الدين، كالذي رأينا من مخالفة رأي الإمام مالك لمقترحات ابن المقفع في تنظيم التشريع والقضاء؛ ذلك لأن ابن المقفع ينزع إلى تقنين قانون يعم أنحاء الدولة، كما كان الشأن في فارس، وأن يحكم العدالة والمصلحة العامة فيما لم يرد فيه نص مجمع عليه، وهو أقرب ما يكون إلى النظام الفارسي، والإمام مالك يرى أن أهل كل مصر وصلت إليهم أحاديث يرون صحتها فيلزمهم العمل بها، وليس من الحق ولا من الدين أن يلزمهم برأي عقلي يخالف ما لديهم من حديث صحيح، أو على الأقل صحيح في نظرهم، وابن المقفع يتكلم في الخراج بمثل ما نقل إلينا عن الأكاسرة، وأبو يوسف يتكلم فيه بالآثار التي صحت عنده، والخلفاء يرون ألا يلجئوا إلى ابن المقفع والبرامكة وأمثالهم، وإنما يلجئون إلى رجال الدين؛ أمثال الإمام مالك، وأبي يوسف.